صانعو التكنولوجيا.. صائدو التريليونات..!

21:51 مساء
قراءة 3 دقائق

أحمد العمار*

في الخبر: دشّنت شركة «إنفيديا»، صانعة التكنولوجيا الأمريكية العملاقة، نادياً جديداً لعمالقة الثروة غير المسبوقين عبر التاريخ، لا بل وأغلقت باب هذا النادي الحصري عليها دون غيرها.. نعم، لقد قفز سهم الشركة، خلال تعاملات الأربعاء 9 يوليو/ تموز 2025 إلى مستوى 164 دولاراً، لتتجاوز قيمتها السوقية حاجز الأربعة تريليونات دولار، ولتكون بذلك الشركة أو الجهة الأولى في تاريخ البشرية، التي تحوز ثروة كهذه..!
في التعليق: كسرت «إنفيديا»، ومعها صناع وعمالقة التكنولوجيا السبعة، كل قيد.. تخطت كل حاجز.. جعلت المستغرب مألوفاً وملموساً. هكذا، بتنا نتساءل: ماذا لو استيقظ، ذات صباح، منظرو الاقتصاد ومفكروه، ما الذي كانوا سيقولونه عن شركة قيمتها السوقية أربعة تريليونات دولار، كيف كان سيرد جون كينز، وكيف سيحلل الموقف ديفيد ريكاردو، وهل سيطلب آدم سميث من الناس متابعة قراءة كتابه الشهير «ثروة الأمم» أم سيقول لهم: كفوا عن ذلك، بل كيف ينظر فيليب كوتلر، الأب الروحي للتسويق الحديث، إلى شركة سوّقت نفسها، بشكل مذهل، لتصل إلى سيادة شركات العالم في ثلاثة عقود فقط؟!
بداية القصة: تأسست «إنفيديا»، التي تتخذ من كاليفورنيا مقراً لها، عام 1993، ونمت على نحو مذهل، لتصبح رائدة تصميم وتطوير ومعالجة الرسومات (GPUs)، وأنظمة الرقائق (SOCs)، وتتحرك بشكل رئيسي في قطاعات الذكاء الاصطناعي والألعاب الإلكترونية والسيارات الذكية وغيرها.. أُدرج سهم الشركة في البورصة، عام 1999، بقيمة 12 دولاراً، ويوصف هذا السهم اليوم بأنه «للشراء لا للبيع».
غابة الأرقام: اربطوا الأحزمة، واستعدوا لجولة في غابة أرقام ومؤشرات، قد تبدو طبيعية للبعض، ومزعجة للبعض الآخر، لكنها بالتأكيد صادمة ومذهلة لأغلبنا. كيف؟ يطلق على «إنفيديا» وست شركات أخرى عاملة في التكنولوجيا- جميعها أمريكية - «العمالقة السبعة»، وهم وفقاً للقيمة السوقية بالتريليون دولار: «إنفيديا» 4، «مايكروسوفت» 3.7، «أبل» 3.12، «أمازون» 2.35، «جوجل» 2.16، «ميتا» 1.8، إضافة ل «تيسلا» 950 ملياراً. 
لماذا نصف تلك الأرقام بالمذهلة؟ نعتقد أن المقارنات التالية تتكفل بالإجابة: إجمالي القيمة السوقية لهؤلاء العمالقة 18.1 تريليون دولار، تشكل 62% من الناتج الإجمالي الأمريكي (GDP)، الأعلى عالمياً والبالغ 29 تريليوناً، وبهذا يقود صانعو التكنولوجيا اقتصاد أمريكا، التي تقود بدورها اقتصادات العالم، علماً بأن ناتج الصين 18.8 تريليون، وجارتها الصفراء (اليابان) 4.2 تريليون دولار.
وماذا عن أقوى خمسة اقتصادات في القارة الشقراء؟ الجواب غير سار للأوروبيين، فقيمة «إنفيديا» تفوق أربعة منها، إذ إن نواتج هذه الاقتصادات بالتريليون هي: ألمانيا 4.7، بريطانيا 3.8، فرنسا 3.2، إيطاليا 2.4، وأخيراً روسيا 2.2 تريليون دولار. فيما تشكل قيمة «إنفيديا» ضعف ناتج القارة السمراء (إفريقيا)، والبالغ تريليوني دولار، علماً بأن عدد سكانها قريب من 1.5 مليار نسمة.
لم يثر اهتمام الاقتصاديين والمحللين وصول «إنفيديا» إلى هذه القمة الجديدة، بالرغم من أهميته، ولكن القفزات الهائلة التي حققتها الشركة في وقت قصير هي ما أثار الاهتمام بالدرجة الأولى، فقيمتها وصلت إلى تريليون دولار، لأول مرة في يونيو/ حزيران 2023، ثم تضاعفت بحدود ثلاث مرات، في أقل من عام، متجاوزة مسار النمو ل «أبل» و«مايكروسوفت»، وهما شركتان تجاوزتا ال 3 تريليونات دولار.
أرقام ومسارات غير مسبوقة تاريخياً، تخطتها وتحركت ضمنها تلك الشركة العملاقة، لك أن تتصور مثلاً، أن قيمتها باتت تفوق القيمة الإجمالية للشركات المدرجة في البورصة البريطانية، أو القيمة الإجمالية لسوقي الأسهم في كندا والمكسيك معاً..؟!
هكذا، باتت هذه الشركة ومعها شقيقاتها العاملات في التكنولوجية، تصميماً وتنفيذاً وتطويراً، الأكثر سطوة في النفوذ والتأثير، حول العالم، ليس في مجالها وحسب، بل وفي احتكارها لثورة البيانات، وتأثيرها في سلوك مليارات المستخدمين، وتشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، وإعادة رسم وتشكيل الاتجاهات الاستهلاكية، عبر منتجات وخدمات تغير أنماط الاستهلاك، فكل مواطن عالمي يستنشق معنا في هذه اللحظة هواء المعمورة، ويشرب ماءها، عليه أن يدفع- راغباً أو مكرهاً- لأحد العمالقة السبعة.
إضاءة:
«قيل ذات يوم، إنما سُمّي المال مالاً، لأنه يميل بصاحبه، لكن ثروات اليوم، لم تكتفِ بالميلان، بل أخذتنا إلى اللامألوف واللامتناهي، من حيث ندري ولا ندري..!»
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي اقتصادي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"