صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد أبو شعبان
مستشار
أحدث مقالات محمد أبو شعبان
28 مايو 2026
حماية الأجور.. حوكمة الاستقرار المهني

في قراءة فاحصة للقرار الوزاري رقم (340) لسنة 2026 بشأن نظام حماية الأجور، يتبين أنه لم يعد نظام حماية الأجور في دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد أداة تنظيمية لضمان تحويل الرواتب في مواعيدها، بل أصبح النظام وفقاً للقرار الصادر جزءاً من تحول أعمق في فلسفة إدارة سوق العمل وبناء الاستقرار التنموي المستدام، يقوم على إعادة تعريف الحوكمة التشغيلية للمنشآت، وإعادة ضبط العلاقة بين المنشأة والعامل والدولة ضمن إطار أكثر دقة في تحديد المسؤوليات القانونية.

ويأتي هذا التطور التشريعي الصادر عن وزارة الموارد البشرية والتوطين ليعكس انتقالاً تدريجياً من مفهوم الحماية التقليدية للأجور بوصفها منظومة رقابية تفاعلية تقوم على معالجة الأزمات بعد وقوعها، إلى مفهوم الإدارة الاستباقية للامتثال المالي داخل بيئة العمل، بحيث يصبح الالتزام نفسه عملية قابلة للقياس اللحظي والتصحيح السريع، وليس مجرد التزام قانوني يُفحص بأثر رجعي، وهذا ما يمنحه صبغة التفرد.

ولعل أهم ما تناوله القرار الذي سيدخل حيز التطبيق في مطلع شهر يونيو لهذا العام هو توحيد موعد استحقاق الأجور في اليوم الأول من كل شهر لجميع العاملين في منشآت القطاع الخاص عن الشهر السابق، وإلزامية إيداع الأجور والمرتبات عن طريق نظام حماية الأجور والأنظمة المعتمدة الأخرى من قبل الوزارة تحصيناً لحقوق العمال وضماناً لاستقرار العلاقة التعاقدية. ويعكس توحيد تاريخ استحقاق الأجور تحولاً مهماً في إدارة الإيقاع المالي لسوق العمل، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً بسياسات داخلية متفاوتة بين منشأة وأخرى، بل أصبح جزءاً من نظام زمني موحد يهدف إلى خلق انسجام في التدفقات النقدية داخل الاقتصاد الخاص.

وأيضاً من أبرز ما تناوله القرار التشريعي، أنه حدد نسبة دنيا لالتزام المنشآت بسداد الأجور وهو ما لا يقل عن 85% من إجمالي الأجور المستحقة في موعدها، وأن استلام العامل أو الموظف لما نسبته 85% من راتبه لا يجعله غير مستلم لراتبه، طالما كان الفرق ناتجاً عن استقطاعات أو خصومات قانونية بموجب تشريع تنظيم علاقة العمل.

وفي المقابل، لم يغفل القرار عن إدخال قدر من المرونة عبر تحديد حالات استثنائية لا تحتسب ضمن نظام حماية الأجور، مثل بعض حالات النزاعات العمالية المنظورة أمام القضاء، أو الإجازات بدون أجر، أو بعض الفئات الخاصة من العمالة المؤقتة. هذه الاستثناءات تعكس إدراكاً تنظيمياً بأن سوق العمل ليس بيئة موحدة تماماً، وأن التطبيق الصارم غير المرن قد يؤدي إلى نتائج غير متوازنة إذا لم يُراعِ طبيعة كل حالة على حدة.

كما يؤكد القرار مبدأ بالغ الأهمية يتمثل في عدم انتقال المسؤولية القانونية في حال تفويض جهة خارجية لسداد الأجور، إذ تبقى المنشأة مسؤولة مسؤولية كاملة عن أي إخلال بمواعيد الدفع. هذا المبدأ يعزز اتجاه المشرّع نحو ترسيخ فكرة أن الامتثال ليس وظيفة تشغيلية يمكن تفويضها، بل هو التزام حوكمي أصيل يرتبط بالمنشأة ذاتها بصرف النظر عن آلية التنفيذ.

أما على مستوى أدوات التنفيذ، فإن القرار يقدم نموذجاً متدرجاً للعقوبات يعتمد على الزمن بوصفه عنصر ضغط رئيسياً، حيث تبدأ المنظومة بالمتابعة الإلكترونية المباشرة من لحظة الاستحقاق، ثم تتدرج إلى الإشعارات والتنبيهات، وصولاً إلى إجراءات أكثر تأثيراً مثل إيقاف تصاريح العمل، ثم الغرامات والتصنيف الإداري، وقد تصل في بعض الحالات إلى الإحالة القضائية والإجراءات التحفظية. هذا التدرج الزمني يعكس فلسفة تنظيمية جديدة لا تكتفي برد الفعل، بل تعمل على توجيه سلوك المنشآت عبر ضغط زمني متصاعد يجعل الامتثال الخيار الأقل كلفة والأسرع استجابة.

وبعيداً عن الأطر القانونية، يحمل هذا القرار أبعاداً اقتصادية بالغة الأهمية؛ فالاستقرار المالي للعامل هو المحرك الخفي لتعافي القطاعات الاستهلاكية والخدمية في الدولة. فعندما يضمن العامل استلام أجره في موعده، تنشط الدورة النقدية فوراً في الاقتصاد المحلي، وبهذا يبرز القرار كأداة لتحفيز النمو الاقتصادي، حيث تدرك القيادة الرشيدة أن قوة الاقتصاد الوطني تستمد حيويتها من استقرار أفراده، ما يرسل رسالة واضحة للمستثمرين في الداخل والخارج بأن الإمارات هي وجهة الاستثمار الذي يبدأ باحترام العقد الاجتماعي ويحفظ كرامة الإنسان كبوصلة أولى لكل قرار.

* مستشار قانوني، شركة تاج مستشارون قانونيون

[email protected]

3 مايو 2026
منظومة عقارية أكثر مرونة في أبوظبي

يشهد القطاع العقاري في إمارة أبوظبي تطورًا تشريعيًا متسارعًا يعكس رؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى تعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية وترسيخ مبادئ الشفافية والثقة بين مختلف الأطراف. وفي هذا الإطار، صدرت حزمة من القرارات التنظيمية المهمة، شملت القرار الإداري رقم (24) لسنة 2025 بشأن آلية وضوابط الصرف من حساب ضمان المشروع قبل إنجاز نسبة (20%) من المشروع، والقرار الإداري رقم (25) لسنة 2025 بشأن تنظيم ملكية وضوابط الانتفاع وإدارة العقارات والأجزاء والمرافق المشتركة في إمارة أبوظبي، وأيضاً القرار الإداري رقم (26) لسنة 2025 بشأن اعتماد النظام الداخلي للجان الملاك في إمارة أبوظبي، بالإضافة إلى القرار الإداري رقم (165) لسنة 2025 بشأن تحديد نسب وإجراءات ومدد إرجاع المبالغ إلى المشترين في الوحدات التي يتم شطبها وإعادة بيعها بموجب المادة (17/3) من القانون رقم (3) لسنة 2015 بشأن تنظيم القطاع العقاري في إمارة أبوظبي لتشكل مجتمعة محطة مهمة في مسار تحديث المنظومة التنظيمية للعقار في الإمارة.

ويُلاحظ أن هذه القرارات لم تأتِ بمعزل عن بعضها، بل جاءت كمنظومة مترابطة تعالج مختلف مراحل العلاقة العقارية، بدءًا من تطوير المشاريع وإدارتها المالية، مرورًا بتنظيم الملكية المشتركة، ووصولًا إلى معالجة الحالات الاستثنائية المرتبطة بإلغاء الوحدات وإعادة بيعها، وهو ما يعكس نضجًا تشريعيًا واضحًا وانتقالًا نحو تنظيم أكثر شمولية وفعالية.

وفي هذا الإطار، لطالما شكّل حساب الضمان إحدى أهم الركائز التي يقوم عليها تنظيم مشاريع البيع على الخارطة، حيث وفر على مدى السنوات الماضية مستوى عالياً من الحماية للمستثمرين، من خلال ربط الصرف بنسبة الإنجاز الفعلي للمشروع. غير أن التطور الذي جاء به القرار رقم (24) لسنة 2025 يعكس انتقالًا مدروسًا من نموذج تقليدي قائم على التقييد إلى نموذج أكثر مرونة قائم على الضمانات من خلال السماح بالصرف قبل بلوغ نسبة الإنجاز المحددة، شريطة تقديم ضمان بنكي غير مشروط لا يقل عن 20% من تكلفة المشروع، دون الإخلال بجوهر الحماية القانونية.

وفي المقابل، جاءت القرارات المنظمة للملكية المشتركة وإدارة العقارات، ولا سيما القرارين (25) و(26)، لتؤسس لبيئة تشغيلية أكثر وضوحًا واستقرارًا، من خلال تحديد قواعد الانتفاع والإدارة، وتنظيم عمل لجان الملاك واعتماد أطرها الداخلية، بما يحد من النزاعات ويعزز كفاءة إدارة الأصول العقارية بعد التسليم، وهو عنصر جوهري لاستدامة القيمة العقارية على المدى الطويل.

أما القرار الإداري رقم (165) لسنة 2025، فيمثل حلقة تنظيمية مهمة في معالجة الحالات اللاحقة على التطوير، حيث وضع ضوابط دقيقة لإرجاع المبالغ إلى المشترين في حال شطب الوحدات وإعادة بيعها، بما يضمن تحقيق العدالة التعاقدية، وتنظيم التدفقات المالية في الحالات الاستثنائية، ومنع أي إشكاليات قد تنشأ عن إعادة تدوير الوحدات العقارية داخل السوق. ويعكس هذا القرار حرصًا واضحًا على تعزيز الثقة في التعاملات العقارية حتى في أكثر السيناريوهات تعقيدًا.

إن أهمية هذه الحزمة التشريعية تكمن في كونها لا تعالج كل قرار على حدة، بل تؤسس لمنظومة متكاملة تحقق توازنًا دقيقًا بين مرونة التطوير العقاري من جهة، وحماية حقوق المستثمرين والملاك من جهة أخرى. فهي تمنح المطورين أدوات أكثر كفاءة لإدارة السيولة وتسريع التنفيذ، وفي الوقت ذاته تعزز من مستويات الرقابة والشفافية وحماية حقوق الأطراف المتعاملة.

وإذا ما نظرنا إلى هذه القرارات ضمن السياق الأوسع للاقتصاد الوطني، فإننا ندرك أنها تتجاوز كونها تنظيمةً إجرائيةً تصبح جزءًا من رؤية اقتصادية شاملة. فالقطاع العقاري في دولة الإمارات لا يمثل نشاطًا مستقلاً، بل يشكل ركيزة أساسية تتقاطع معها العديد من القطاعات الحيوية، بدءًا من البناء والتشييد، مرورًا بسلاسل التوريد والصناعات المرتبطة، ووصولًا إلى السياحة والضيافة والخدمات المالية. وبالتالي، فإن أي تطوير تشريعي في هذا القطاع ينعكس بشكل مباشر على منظومة اقتصادية متكاملة.

كما تحمل القرارات في طياتها رسالة واضحة إلى الأسواق العالمية مفادها أن أبوظبي ماضية في تطوير بيئتها الاستثمارية وفق أفضل الممارسات الدولية، وأنها قادرة على تحقيق التوازن بين المرونة التنظيمية والرقابة الفعالة. وهو ما يعزز من مكانتها كوجهة آمنة وجاذبة للاستثمار، خصوصًا في ظل المنافسة الإقليمية والعالمية المتزايدة.

وفي المحصلة، يمكن القول إن القرارات الإدارية الصادرة مؤخرًا تمثل خطوة متقدمة في مسيرة تطوير القطاع العقاري، حيث تجسد نضجًا تشريعيًا يعكس فهمًا عميقًا لمتطلبات السوق وتحدياته. وهو ما يؤكد أن دولة الإمارات، وفي مقدمتها إمارة أبوظبي، لا تكتفي بمواكبة التطورات، بل تسعى إلى استباقها وصياغة نماذج تنظيمية مبتكرة تعزز الثقة وتدعم الاستدامة الاقتصادية.

* مستشار قانوني

[email protected]

21 أبريل 2026
منصور بن زايد وحماية الشركات العائلية

في خطوة تعكس نضج المنظومة التشريعية في إمارة أبوظبي، أصدر سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، بصفته رئيس دائرة القضاء، القرار رقم (3) لسنة 2026 بشأن تشكيل لجان فض نزاعات الشركات العائلية في إمارة أبوظبي، كمبادرة نوعية تستهدف أحد أكثر الملفات حساسية في بيئة الأعمال المحلية.

ولا ينظر إلى هذا القرار بوصفه إجراءً تنظيمياً تقليدياً، بل هو تدخل تشريعي مدروس لحماية ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، حيث تمثل الشركات العائلية النسبة الكبرى من النشاط الاقتصادي في الدولة، وتمتد آثارها إلى قطاعات متعددة، من العقار إلى الصناعة والتجارة والخدمات.

في جوهره، يعالج القرار إشكالية معقدة طالما واجهت هذا النوع من الشركات، وهي النزاعات الداخلية التي تنشأ بين الشركاء من أفراد العائلة، خاصة عند انتقال الملكية بين الأجيال، فهذه النزاعات، وإن بدت في ظاهرها قانونية، إلا أنها في حقيقتها تتشابك مع اعتبارات اجتماعية وعاطفية، ما يجعل معالجتها عبر المسار القضائي التقليدي أقل كفاءة وأطول زمناً.

ومن هنا، جاء إنشاء لجان متخصصة تضم قضاة وخبراء في الجوانب القانونية والمالية، لتوفير منصة أكثر مرونة وقدرة على استيعاب طبيعة هذه النزاعات. ويُحسب لهذا التوجه أنه ينقل التعامل مع النزاع من إطار الخصومة القضائية إلى إطار الحلول المتوازنة التي تراعي استمرارية الكيان الاقتصادي.

كما منح القرار هذه اللجان صلاحيات عملية مؤثرة، تشمل اتخاذ تدابير وقتية ومستعجلة للحفاظ على استمرارية الشركات ومنع تعطل أعمالها، وهو ما يعكس فهماً عميقاً لخطورة توقف النشاط التجاري خلال النزاعات. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بحسم الخلاف، بل بضمان بقاء الشركة ذاتها.

وفي سياق متصل، يبرز توجه واضح نحو تعزيز ثقافة التسوية الودية، حيث أعطى القرار أولوية لما يتم الاتفاق عليه في عقود تأسيس الشركات أو أنظمتها، مع فتح الباب أمام حلول قائمة على الوساطة عند غياب تلك النصوص. وهذا يعكس تحولاً مهماً في الفكر القانوني، من فرض الحلول إلى تشجيع الأطراف على صناعتها بأنفسهم.

ومن الجوانب اللافتة أيضاً، التركيز على عنصر السرية في إجراءات اللجان، وهو عامل بالغ الأهمية في هذا النوع من النزاعات، نظراً لما قد يترتب على العلنية من تأثيرات سلبية على سمعة الشركات وثقة المتعاملين معها. فالقرار يدرك أن حماية السمعة لا تقل أهمية عن حماية الحقوق.

وعلى صعيد بيئة الاستثمار، يرسل القرار رسالة واضحة بأن أبوظبي لا توفر فقط بيئة جاذبة للأعمال، بل تمتلك أيضاً منظومة متكاملة لإدارة النزاعات بكفاءة وسرعة، بما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.

في المحصلة، يمكن القول إن هذا القرار يمثل خطوة متقدمة في تنظيم الشركات العائلية، ليس فقط من زاوية فض النزاعات، بل من حيث ترسيخ مفاهيم الحوكمة والاستدامة. وهو في الوقت ذاته دعوة ضمنية للمؤسسين لإعادة النظر في هياكل شركاتهم وآليات إدارتها، بما يضمن انتقالاً سلساً بين الأجيال، ويقلل من احتمالات الخلاف.

إن حماية الاقتصاد تبدأ من حماية وحداته الأساسية، والشركات العائلية في دولة الإمارات تمثل أحد أهم هذه الوحدات. 

* مستشار قانوني

29 مارس 2026
«القوة القاهرة» وواقع الإمارات المستقر

محمد أبو شعبان*

من نعم الله أن نعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، هذه الدولة التي استطاعت، بفضل قيادتها الرشيدة وبفضل ما تميزت به من رؤية بعيدة واستشراف دائم للمستقبل، أن ترسّخ نموذجاً تنموياً متقدماً أصبح محل احترام وتقدير على مستوى العالم. فمنذ سنوات طويلة اختارت الإمارات أن تكون دولة الاستقرار والإنجاز والسلام، دولة المؤسسات القادرة على التخطيط المسبق وإدارة التحديات بثقة وهدوء، الأمر الذي جعلها تتبوأ مكانة متقدمة عالمياً من حيث جودة الحياة، والنمو الاقتصادي، والأمن المجتمعي.
واليوم، ومع ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة وإعتداءات وهجمات إيرانية سافرة، تثبت دولة الإمارات مرة أخرى قدرتها على التعامل مع مختلف الظروف بحكمة واتزان. فالجهات المعنية تعمل بكفاءة عالية، ومؤسسات الدولة تواصل أداء دورها كالمعتاد، والقطاع الخاص يمارس أعماله بصورة طبيعية، والأسواق مفتوحة، والحركة الاقتصادية مستمرة دون تعطّل. وبعبارة أخرى، فإن الحياة اليومية داخل الدولة تسير بوتيرتها المعتادة كما كانت قبل هذه الأحداث.
ورغم وضوح هذا الواقع، يبرز بين الحين والآخر من يحاول توصيف الظروف الحالية بأنها تمثل حالة من حالات «القوة القاهرة»، وهو توصيف يستوجب الوقوف عنده من زاوية قانونية دقيقة، خاصة في ظل ما قد يترتب عليه من آثار تعاقدية مهمة.
فالقوة القاهرة في المفهوم القانوني ليست مجرد وصف عام لأي ظرف طارئ أو حدث استثنائي. بل هي مفهوم قانوني محدد له شروط واضحة ومستقرة في الفقه والقضاء. وقد تناول القانون المدني لدولة الإمارات العربية المتحدة هذا المفهوم صراحة في المادة (273) التي نصت على أنه: (في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً انقضى الالتزام المقابل له، وانفسخ العقد من تلقاء نفسه). ويُفهم من هذا النص أن المشرّع الإماراتي ربط تطبيق القوة القاهرة بشرط أساسي وجوهري، وهو استحالة تنفيذ الالتزام استحالة تامة. فهناك فرق كبير بين الاستحالة من جهة، وبين مجرد الصعوبة أو الاضطراب المؤقت أو زيادة الأعباء من جهة أخرى.
كما استقر الفقه القانوني على أن القوة القاهرة لا تقوم إلا إذا توافرت ثلاثة شروط رئيسية: أن يكون الحدث غير متوقع، وأن يكون خارجاً عن إرادة الأطراف، وأن يؤدي إلى جعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة مطلقة لا يمكن دفعها أو تلافي آثارها.
وعند النظر إلى الواقع العملي في دولة الإمارات اليوم، يتبين بوضوح أن هذه الشروط غير متوافرة. فمؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية، والجهات الحكومية تستقبل المعاملات وتصدر الموافقات، والمحاكم تمارس اختصاصها، والقطاع الخاص يواصل نشاطه دون انقطاع، كما أن الأسواق مفتوحة وسلاسل الإمداد مستمرة.
وبناءً عليه، فإن وصف الظروف الحالية بأنها قوة قاهرة لا يجد له سنداً قانونياً حقيقياً، لأن المعيار القانوني الحاسم في هذا السياق هو استحالة التنفيذ وليس مجرد وجود أحداث أو توترات في الإطار الإقليمي أو الدولي. ومن هنا، فإن التوسع في استخدام مفهوم القوة القاهرة خارج نطاقه القانوني الدقيق قد يؤدي إلى تفسير غير صحيح للعقود والالتزامات، وربما يشجع البعض على محاولة التنصّل من التزامات تعاقدية قائمة رغم أن ظروف التنفيذ مازالت متوافرة عملياً وقانونياً.
إن البيئة القانونية في دولة الإمارات قامت منذ البداية على مبدأ راسخ يتمثل في استقرار المعاملات واحترام العقود، وهو ما يشكل حجر الأساس للثقة في أي اقتصاد حديث. ومن ثم، فإن الأصل في العلاقات التعاقدية هو الالتزام بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. ومن واقع الممارسة القانونية العملية، يمكن القول إن ما نشهده اليوم لا يرقى بأي حال إلى وصف القوة القاهرة بالمعنى الذي قصده المشرّع في القانون المدني. وأي تمسك بهذا الوصف دون وجود ظرف استثنائي محدد يجعل التنفيذ مستحيلاً فعلاً سيظل موضع نقاش قانوني جدّي أمام الجهات القضائية المختصة.
لقد اعتادت دولة الإمارات أن تتعامل مع التحديات بثقة وهدوء، وأن تحافظ على استقرارها المؤسسي والاقتصادي حتى في أكثر الظروف حساسية. ولذلك فإن ما يجري اليوم لا يغيّر من حقيقة ثابتة، وهي أن الإمارات ما زالت تمضي بثبات في مسارها الطبيعي، وأن منظومتها القانونية والاقتصادية ما زالت قائمة على الاستقرار والوضوح واحترام الالتزامات.
وفي نهاية المطاف، يبقى المبدأ القانوني واضحاً: القوة القاهرة ليست وصفاً يُطلق على كل ظرف طارئ، بل حالة قانونية استثنائية لا تقوم إلا إذا أصبحت استحالة التنفيذ حقيقة لا جدال فيها.
* مستشار قانوني

11 يناير 2026
مرونة منظومة التشريعات الإماراتية

محمد أبو شعبان

تجاوزت المنظومة القانونية في دولة الإمارات الدور التقليدي للقانون، القائم على سنّ التشريعات عبر مراحل طويلة ومعقّدة، لتصبح اليوم أداة حيوية تواكب إيقاع الحياة المتسارع، وتستجيب بوعي ودقة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، فضلاً عن معالجة بعض الثغرات القانونية التي تفرزها الممارسات الحديثة.
وفي ظل سباق التنافسية العالمية وريادة المستقبل، أدركت دولة الإمارات أن السبق الحقيقي يكمن في تطوير وتحديث المنظومة التشريعية وتفعيلها بصورة مستمرة بما يتلاءم مع مستجدات العصر، فلم يعد القانون مجرد مجموعة من القواعد التنظيمية الجامدة، بل أضحى آلية حوكمة استباقية تُصمَّم لاستيعاب الابتكارات، وتأمين التحولات الاقتصادية الكبرى، وتمكين المجتمع الرقمي، بما يعزز مكانة الدولة كمركز إقليمي ودولي رائد، ويتبين ذلك جلياً في متابعة التحديثات في الساحة التشريعية خلال الربع الأخير من عام 2025، وما شهدته الأسابيع الماضية تحديداً من تعديلات ومبادرات قانونية نوعية.
ويلاحـــظ أن هــذه التشريــعات المحدثــة لـــم تصدر بمعزل عن الواقع العملي، بل جاءت لمعالجــة إشكالات قــائمة، وسد فراغات تشريعيــة أفرزتهـــا الممارسات الحديثـــة، ســـواء في المجال المالي أو الجنائـــي أو التنظيمي، وهو مــا يعكس نهجاً تشريعياً يقوم على الاستباق لا ردّ الفعل، وفي الإطار ذاته، امتد هذا النهج المرن ليشمل تشريعات محورية أخرى تم تحديثها أو إعادة تنظيمها بموجب مراسيم بقوانين اتحادية، كان لها أثر مباشر في إعادة ضبط البيئة القانونية والتنظيمية في الدولة.
ففي مجال تنظيم بيئة الأعمال، جاءت التعديلات الأخيرة على قانون الشركات بموجب مرسوم بقانون اتحادي رقم 20 لسنة 2025 بشأن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 32 لسنة 2021 بشأن الشركات التجارية، لتعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تعزيز المرونة في الهياكل القانونية للشركات، وتسهيل ممارسة الأنشطة الاقتصادية، واستيعاب المتغيرات التي فرضها تطور نماذج الأعمال والاستثمار. وقد أسهمت هذه التعديلات في دعم تنافسية السوق، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحوكمة ومرونة التشغيل، بما يخدم المستثمرين ويعزز الثقة في الإطار القانوني المنظم للأعمال.
وعلى صعيد الإجراءات القضائية، فقد صدر تحديث لبعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي بشأن الإجراءات المدنية وقد اشتمل على مرونة في مواكبة متطلبات العدالة الناجزة، من خلال تبسيط الإجراءات، وتعزيز استخدام الوسائل الرقمية، وإعادة تنظيم بعض المسارات الإجرائية بما ينسجم مع طبيعة النزاعات الحديثة. ويعكس هذا التحديث إدراك المشرّع لأهمية أن تكون القواعد الإجرائية داعمة لسرعة الفصل في الخصومات، دون المساس بضمانات التقاضي أو حقوق الأطراف.
وفي البعد الاجتماعي والإنساني، برز المرسوم بقانون الاتحادي بشأن الأطفال مجهولي النسب كنموذج متقدم للتشريع المرن المرتبط بتحولات الواقع المجتمعي، إذ جاء هذا التشريع ليضع إطاراً قانونياً واضحاً يعالج أوضاعاً كانت تحتاج إلى تنظيم بما يضمن حماية هذه الفئة، وصون كرامتها، وتنظيم أوضاعها القانونية والاجتماعية بصورة متوازنة تراعي المصلحة الفضلى للطفل.
كما تؤكد التجربة التشريعية لدولة الإمارات خلال عام 2025 أن المرونة أصبحت عنصراً أصيلاً في فاعلية المنظومة القانونية واستدامتها، لا مجرد استجابة ظرفية للتغيرات، فقد أظهر النهج التشريعي المتبع قدرة واضحة على التكيّف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، مع الحفاظ على استقرار المراكز القانونية وضمان وضوح القواعد المنظمة.
وتتمثل القيمة الحقيقية لهذه المرونة في ما تحققه من توازن دقيق بين سرعة التحديث ومتطلبات الأمن القانوني، بما يعزز ثقة المتعاملين، ويدعم بيئة الأعمال والمستثمرين، ويرفع من كفاءة المنظومة القضائية والتنظيمية، كما تسهم في تمكين التشريعات من مواكبة التحول الرقمي وتطور أنماط التعامل الحديثة دون إحداث اضطراب تشريعي أو إجرائي.
وبذلك، تكرّس منظومة التشريعات الإماراتية نموذجاً متقدماً يقوم على المرونة الواعية، ويجعل من القانون أداة فاعلة لمواكبة تطورات الحياة وتحقيق التنمية المستدامة، بما يعزز مكانة الدولة كبيئة قانونية حديثة قادرة على استشراف المستقبل بثقة واستقرار، وقدرتها على جذب مختلف فئات المستثمرين والأعمال، بما يحقق قيمة مضافة حقيقية ومستدامة لدولة الإمارات.
* المستشار القانوني «تاج مستشارون قانونيون»

16 أكتوبر 2025
أحكام القانون في مواجهة نرجسية الإدارة

محمد أبو شعبان *

للوهلة الأولى عند لمحة العنوان، يتبادر إلى الأذهان التناقض في المفهومين: فالقانون هو ميزان العدالة في المجتمع، بينما تمثل النرجسية اختلال الموازين الإدارية والقانونية، إذ أنها تتمحور حول تقدير الذات بشكل مفرط على حساب الآخرين، مما قد يعيق تطبيق العدالة أو فهمها بطريقة موضوعية، في هذا المقال، سنتناول العلاقة بين النرجسية وتأثيرها على السلوك القانوني، وكيف يمكن للقوانين والأنظمة التعامل مع تحديات الأفراد ذوي السمات النرجسية في إطار إدارتهم للمؤسسات والشركات لضمان تحقيق العدالة وحماية المؤسسات والشركات والعاملين فيها من آثارها السلبية، والذي ينعكس بدوره على الاقتصاد.
فبلا شك أن النرجسية الإدارية هي أحد أكبر معيقات تنفيذ القانون، فعندما تتصف الإدارة بالنرجسية قد تؤدي ممارستها إلى تجاوزات قانونية أو تجاهل اللوائح والنظم القانونية والشفافية والموضوعية وقد لا ترقى هذه التصرفات النرجسية إلى مخالفة قواعد القانون لكنها بالتأكيد تخالف أسس العدالة، مما يشكل تحديات على ضبط الانتهاكات وحماية الحقوق القانونية للأطراف المختلفة.
وعلى الرغم أن النرجسية الإدارية ليست مصطلحاً قانونياً بحتاً، إلا أنها تصنف ضمن مظاهر سوء الإدارة أو إساءة استخدام السلطة ويزداد خطر النرجسية وضوحاً حين تتصادم رغبات الإدارة النرجسية مع أحكام القانون، إذ تتحول بيئة العمل إلى ساحة نزاعية قد تقود إلى انتهاك القوانين وبلا شك فإن هذه الظاهرة تنتشر بشكل واضح في الشركات الخاصة الصغيرة والشركات العائلية، وقد تبرز هذه النرجسية في عدة صور من خلال وضع العاملين في هذه الجهات تحت ضغوطات أو ممارسة التنمر، أو إغرائهم بامتيازات أو حتى كتجاهل اللوائح والقوانين، على سبيل المثال: تجاوز حدود التفويض المالي أو الإداري، أو إهمال الإجراءات القانونية اللازمة، واستغلال المنصب لتحقيق مصالح شخصية أو احتكار السلطة، والإضرار بحقوق الموظفين أو الشركاء: كعدم دفع مستحقات، تعديل العقود بشكل أحادي، أو فرض قرارات تعسفية، وتطول الأمثلة. وهنا يظهر الدور الجوهري للقانون في ردع هذه الانحرافات وحماية التوازن المؤسسي، حيث عالجت التشريعات الحديثة هذه الممارسات عن طريق تقييدها بإطارٍ قانونيٍ وإجرائيٍ لفرض الرقابة على السلطة ومنع إساءة استخدامها عن طريق فرض لوائح واضحة لحوكمة الشركات ومنع تضارب المصالح مروراً بالرقابة القضائية التي تتيح للأطراف المتضررة مقاضاة الإدارة ومحاسبتها وصولاً إلى الإجراءات الوقائية كتعزيز الشفافية وتعيين مدققين قانونيين مستقلين ونشر سياسات تحارب سوء الإدارة.
ويتجلى دور أفراد القانون من مستشارين ومحامين لتلك الجهات لتفعيل الحوكمة بفرض قواعد القانون إذ أنها تعمل كخط دفاع مزدوج تمنع الإدارة النرجسية من السيطرة المطلقة، وتوفر أدوات قانونية وإدارية لمحاسبتها حال تجاوزها للقانون أو المصلحة العامة عن طريق فصل السلطات داخل المؤسسات والشركات بما يمنع احتكار القرار، وفرض الشفافية والإفصاح عن القرارات الجوهرية، وتؤسس لمسارات واضحة للمساءلة والمراجعة، كما أنها تغرس ثقافة مؤسسية قائمة على الأخلاق والمسؤولية.وبالمقابل فإن شركات المساهمة تعد نموذجاً مؤسسياً رائداً في مواجهة تحديات النرجسية الإدارية، نظراً لما تمتاز به من هياكل تنظيمية وقواعد حوكمة صارمة تفرض توازن السلطات وتحد من التفرد بالقرار، فالأحكام القانونية المنظمة لهذه الشركات، بدءاً من متطلبات انتخاب مجلس إدارة مستقل من قبل المساهمين، مروراً بآليات الرقابة الداخلية والخارجية مثل لجان التدقيق والمراجعة المالية المستقلة، وصولاً إلى الشفافية والإفصاح الدوري عن القرارات المالية والإدارية، تعمل جميعها كحواجز قانونية تمنع الإدارة النرجسية من استغلال سلطتها أو الانحراف عن مسار القانون، فتشكل شركات المساهمة مثالاً حياً على كيفية تحويل القانون وأطر الحوكمة إلى أدوات فعّالة لضبط السلوك الإداري وصون العدالة المؤسسية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، بما يتوافق مع أحكام قانون الشركات الاتحادي رقم (32) لسنة 2021 واللوائح التنفيذية ذات الصلة في دولة الإمارات ولا يقتصر أثر هذه البنية القانونية على حماية حقوق المساهمين والعاملين فحسب، بل يضمن أيضاً استمرار الشركة في تحقيق أهدافها الاقتصادية بكفاءة وموضوعية.ختاماً، تمثل النرجسية الإدارية تحدياً حقيقياً أمام العدالة وسيادة القانون، لكنها ليست عصية على المواجهة.
* المستشار القانوني «تاج مستشارون قانونيون»