في عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية، وتتسارع فيه تحديات التغيّر المناخي، لم يعد الأمن المائي مسألة خدمية أو تشغيلية، بل تحوّل إلى أصل استراتيجي سيادي يرتبط مباشرة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول. ضمن هذا السياق، يبرز نموذج إمارة أبوظبي وتحديداً مشروع خزان المياه الاستراتيجي في ليوا كواحد من أكثر النماذج تقدماً عالمياً في إدارة المخاطر المرتبطة بندرة الموارد، ليس من منظور هندسي فقط، بل من زاوية اقتصادية واستراتيجية شاملة.
إن تأمين إمدادات المياه في أوقات الأزمات والحروب ليس مجرّد مسألة خدمية، بل يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الوطني والأمن الشامل. فالمياه تضمن استمرارية الحياة اليومية، وتحافظ على الصحة العامة، وتمنع تفاقم الأزمات الإنسانية، ما يقلل من احتمالات الاضطرابات الاجتماعية، ويعزز الشعور بالأمان. كما أن امتلاك الدولة لقدرات مستقلة ومستدامة في إدارة مواردها المائية يمنحها مرونة أكبر في اتخاذ قراراتها الاقتصادية، ويخفف من اعتمادها على الخارج في أوقات التوتر. وعلى الصعيد السياسي، يعزز الاكتفاء المائي سيادة الدولة، ويقوي موقفها التفاوضي، حيث تصبح أقل عرضة للضغوط، أو الابتزاز المرتبط بالموارد الحيوية، ما يرسخ استقلال القرار الوطني، ويضمن استمرارية التنمية، حتى في أحلك الظروف.
تقليدياً، كانت إدارة المياه تُعالج كقضية تشغيلية ترتبط بالإنتاج والتوزيع. أما اليوم، فقد أصبحت جزءاً من إدارة المخاطر الكلية (Macro Risk Management)، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد على التحلية كمصدر رئيسي.
وما قامت به أبوظبي هو الانتقال من نموذج «الإمداد عند الطلب» إلى نموذج أكثر تقدماً، يقوم على بناء احتياطيات استراتيجية طويلة الأجل: تقليل التعرض للصدمات وتعزيز الجاهزية في سيناريوهات الطوارئ. أما النتيجة فهي قدرة على تأمين إمدادات مائية تصل إلى 90 يوماً، وهو رقم لا يعكس وفرة فقط، بل يعكس رؤية استباقية لإدارة الأزمات.
وللتوضيح أكثر، المقصود هو جوهر هذا التحول، ويكمن في تبني تقنية تخزين واستعادة المياه الجوفية ASR (Aquifer Storage and Recovery) (ASR)، والتي تمثل نموذجاً متقدماً في تعظيم كفاءة استخدام الأصول الطبيعية. اقتصادياً، يمكن قراءة هذه التقنية من عدة زوايا، تحويل التحديات البيئية إلى فرص، فبدلاً من اعتبار البيئة الصحراوية قيداً، تم استخدامها ك«خزان طبيعي منخفض الكلفة»، ما يقلل الحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة في البنية السطحية. ثم خفض التكاليف الحدّية طويلة الأجل، حيث لا توجد خسائر تبخر تُذكرمع انخفاض تكاليف الصيانة، وعمر تشغيلي أطول. أيضاً هو تعزيز كفاءة رأس المال فالاستثمار في ASR لا يُقاس بكلفته المباشرة فقط، بل بقيمته في تقليل المخاطر النظامية ودعم استمرارية الاقتصاد.
وتعتمد منظومة (تخزين واستعادة المياه الجوفية) على مبدأ بسيط وذكي، في آنٍ واحد، تخزين المياه المحلاة داخل الطبقات الجوفية الطبيعية، ثم استعادتها عند الحاجة، حيث تبدأ مراحل التشغيل بالحقن ويتم ضخ المياه المحلاة عالية الجودة عبر آبار عميقة إلى خزانات مائية طبيعية، غالباً في طبقات ذات نفاذية عالية.
ثم التخزين، وتبقى المياه مخزنة في بيئة تحت سطح الأرض، محمية من: التبخر، التلوث الخارجي، التغيرات المناخية، وأخيراً الاستعادة (Recovery)، حيث يتم سحب المياه عند الحاجة مع الحفاظ على جودتها للاستخدام.
لماذا تُعد ASR حلاً استراتيجياً؟ تقليل الفاقد (لا تبخر تقريباً)، وكفاءة كلفة أعلى على المدى الطويل، واستدامة بيئية باستخدام الطبيعة، وأخيراً، مرونة تشغيلية في إدارة الفائض والطوارئ.
وعلى الرغم من استخدام التقنية في دول مثل: الولايات المتحدة وهولندا وأستراليا، إلا أن ما يميز نموذج أبوظبي هو الحجم الاستراتيجي + التكامل مع التحلية + البعد السيادي للأمن المائي.
في بيئة عالمية تشهد تنافساً متزايداً على الموارد، أصبحت المياه عنصراً محورياً في معادلة الأمن القومي. والنموذج الإماراتي يرسل رسالة واضحة وهي الاستثمار في الأمن المائي يساوي تقليل المخاطر الجيوسياسية مستقبلاً.
أما الانعكاسات على المستثمرين وصناع القرار فتمثل هذه المشاريع (مشاريع (ASR) استثماراً في البنية التحتية طويلة الأجل أداة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي عنصر جذب لصناديق الثروة السيادية، كما تدعم التصنيف السيادي وثقة المستثمرين واستدامة النمو.
إن ما تحقق في ليوا ليس مجرّد مشروع، بل تحول استراتيجي من إدارة الموارد إلى إدارة الأصول، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ويمثل نموذجاً عالمياً في دمج الاستدامة، الكفاءة الاقتصادية، والرؤية السيادية.
في عالم مملوء بالمخاطر، لا تُقاس قوة الدول بحجم اقتصادها فقط، بل بقدرتها على ضمان الاستمرارية وإدارة الأزمات.
* المستشار في الأسواق المالية والاستدامة
في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية عميقة، أعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها من أوبك وأوبك+ اعتباراً من الأول من مايو 2026، في قرار يعكس تحولًا نوعياً في نهج إدارة الموارد النفطية، ويؤكد انتقال الدولة نحو نموذج أكثر استقلالية ومرونة في سياساتها الإنتاجية.
القرار، الذي جاء بعد مراجعة شاملة للقدرات الإنتاجية الحالية والمستقبلية، يستند إلى مبدأ «المصلحة الوطنية أولًا»، حيث تسعى الإمارات إلى تعظيم الاستفادة من استثماراتها الضخمة في قطاع النفط، والتي تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027. ومن شأن هذا التوجه أن يتيح للدولة زيادة صادراتها النفطية وتعزيز تدفقاتها النقدية، بما يدعم خطط التنويع الاقتصادي طويلة المدى.
ويعكس الانسحاب تحرراً من نظام الحصص الإنتاجية الذي كان يقيّد جزءاً من القدرة الفعلية للإمارات، رغم الاستثمارات الكبيرة التي ضختها في تطوير بنيتها التحتية النفطية. فمع خروجها من أوبك، تصبح الإمارات أكثر قدرة على مواءمة إنتاجها مع متطلبات السوق، بدلًا من الالتزام بقيود جماعية قد لا تتماشى دائماً مع أولوياتها الاقتصادية.
الإيجابيات على قطاع النفط الإماراتي:
أولًا، يمنح القرار الإمارات مرونة إنتاجية أعلى، إذ لم تعد ملزمة بحصص ثابتة، ما يتيح لها زيادة الإنتاج عند ارتفاع الطلب، وضبط الإمدادات عند ضعف السوق، بما يعزز كفاءة إدارة الموارد وتحقيق أفضل عائد ممكن.
ثانياً، يسهم وضوح القرار الإنتاجي وسيادته في تعزيز ثقة المستثمرين، ويدعم توسيع الشراكات مع شركات الطاقة العالمية، في ظل بيئة أكثر شفافية واستقلالية في اتخاذ القرار.
ثالثاً، يفتح هذا التحول المجال أمام تطوير أوسع لسلسلة القيمة في قطاع الطاقة، حيث لن يقتصر التركيز على الإنتاج فقط، بل سيمتد إلى التكرير، والبتروكيماويات، والطاقة منخفضة الكربون، بما يعزز استدامة القطاع وتنوعه.
على صعيد قطاع الطاقة، يمنح القرار الشركات الوطنية، وعلى رأسها شركة أدنوك، مرونة أكبر في إدارة الإنتاج والاستجابة لتقلبات الطلب العالمي، كما يعزز جاذبية الدولة للاستثمارات الأجنبية في مجالات النفط والغاز، إلى جانب دعم التوسع في سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة.
أما على المستوى العالمي، فمن المتوقع أن يسهم خروج الإمارات، باعتبارها ثالث أكبر منتج في أوبك، في زيادة المعروض النفطي، ما قد يخفف الضغوط على الأسعار ويعزز استقرار الأسواق، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية التي تؤثر على إمدادات الطاقة. كما قد يضعف القرار من قدرة أوبك على التحكم في توازن العرض والطلب، ويفتح الباب أمام تحولات أوسع في هيكل السوق النفطية.
وبالنسبة للمستهلكين، قد تنعكس هذه التطورات إيجابياً من خلال أسعار طاقة أكثر اعتدالًا، وتقليل حدة التقلبات، نتيجة توافر إمدادات أكثر مرونة واستجابة للتغيرات في الطلب.
ورغم هذا التحول، أكدت الإمارات العربية المتحدة التزامها بدورها كمنتج مسؤول وموثوق، مشددة على استمرار تعاونها مع الشركاء الدوليين لضمان استقرار الأسواق، مع التركيز على تحقيق توازن بين أمن الإمدادات والاستدامة والكلفة.
في المحصلة، لا يمثل هذا القرار انسحاباً من منظومة الطاقة العالمية، بل إعادة تموضع داخلها، بما يعكس طموح الإمارات في أن تكون لاعباً مستقلًا ومؤثراً في رسم ملامح مستقبل سوق النفط العالمي، في مرحلة تتجه فيها الأسواق نحو مزيد من التنافسية والمرونة.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة
يشير التقرير الربع سنوي الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي، إلى أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتسم بما يمكن وصفه ب«النمو المنخفض الممتد»، حيث تتقاطع عوامل تباطؤ الإنتاجية، وارتفاع مستويات الدين العالمي التي تجاوزت 300% من الناتج، مع استمرار الضغوط التضخمية وبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً. هذه البيئة لا تقيّد فقط قدرة الدول على التوسع والاستثمار، بل تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي في اتجاه أكثر حذراً، يركز على إدارة المخاطر وتعزيز المرونة، في ظل تحولات هيكلية كبرى تشمل صعود تكتلات اقتصادية جديدة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المتزايدة.
في هذا السياق، جاءت تقديرات الصندوق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتعكس صورة غير متجانسة، إذ خفّض توقعات النمو إلى نحو 1.4% في عام 2026، مع تأكيد أن الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية ذات تأثير «غير متناظر» بين دول المنطقة. ويبرز هذا التفاوت بوضوح في دول الخليج، حيث تعيد التوترات الإقليمية تشكيل مسارات النمو بشكل متفاوت.
ففي حين يُتوقع أن يسجل الاقتصاد الإيراني انكماشاً حاداً يقارب -12% في 2026 نتيجة الحرب والعقوبات والضغوط على صادرات الطاقة، تظهر اقتصادات خليجية أخرى قدراً أعلى من المرونة.
إذ يُتوقع أن تحافظ الإمارات العربية المتحدة على نمو يقارب 4% في 2026، لكن هذه الأرقام لا تعكس فقط الأداء الكلي، بل تخفي وراءها تحولات نوعية عميقة في بنية الاقتصاد. فالإمارات اليوم تعتمد بشكل متزايد على القطاعات غير النفطية التي باتت تشكّل النسبة الأكبر من الناتج المحلي، حيث تقود قطاعات مثل السياحة، والخدمات المالية، والتجارة، واللوجستيات، والتكنولوجيا هذا النمو. كما تلعب مراكزها الحضرية، وفي مقدمتها أبوظبي ودبي، دوراً محورياً في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للأعمال والاستثمار، مدعومة ببنية تحتية متقدمة، وبيئة تنظيمية مرنة، وتشريعات حديثة تجذب الشركات متعددة الجنسيات ورواد الأعمال.
إلى جانب ذلك، استفادت الإمارات من موقعها الاستراتيجي كمحور لسلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل إعادة تشكيل هذه السلاسل بعد الأزمات العالمية، ما عزّز دور موانئها ومناطقها الحرة كمراكز لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية. كما أن استثماراتها المتواصلة في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، تعزز من قدرتها على تحقيق نمو مستدام يتجاوز تقلبات أسواق النفط.
كما أن السياسة المالية المتوازنة، وارتفاع مستويات الاحتياطيات، وقدرة الدولة على إدارة الدين العام بكفاءة، تمنحها هامشاً مالياً مريحاً للتعامل مع الصدمات. وفي الوقت ذاته، تستفيد الإمارات من تنوع شركائها التجاريين، وعدم اعتمادها على سوق واحد أو قطاع واحد، ما يعزز من مناعتها الاقتصادية في مواجهة التقلبات الإقليمية.
أما قطر، فتستفيد من استقرار صادرات الغاز الطبيعي المسال، مع توقعات نمو تتراوح بين 2% و3% في 2026، بينما تواجه الكويت تباطؤاً نسبياً نتيجة اعتمادها الأكبر على النفط، وتبدو البحرين أكثر تأثراً بالصدمات على المدى القصير. خارج المنظومة الخليجية، تتباين الصورة كذلك، إذ يُتوقع أن ينكمش اقتصاد العراق بنحو -6.8%، في حين تحافظ مصر على نمو إيجابي.
وفي هذا المشهد، تبرز المملكة العربية السعودية مع توقعات نمو متسارع مدعوم بمشاريع «رؤية 2030»، بينما يسير الأردن في مسار أكثر تحفظاً نتيجة التحديات الهيكلية والضغوط المالية. غير أنه من الضروري التأكيد على أن ما سبق يمثل في جوهره «توقعات» مبنية على معطيات راهنة، وليس مسارات حتمية. فطبيعة الصدمات الجيوسياسية، خاصة تلك المرتبطة بالتصعيد الإيراني في المنطقة، توحي بأن آثارها قد تكون أطول وأكثر تعقيداً مما تفترضه النماذج الاقتصادية التقليدية. وعليه، فإن دول المنطقة مطالبة بعدم الاكتفاء بإدارة المرحلة الحالية، بل بالتهيؤ لسيناريو يمتد فيه أثر هذه الصدمات لفترة أطول، من خلال تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية، وبناء هوامش مالية ونقدية أكبر، إضافة إلى تطوير سياسات استباقية لإدارة المخاطر. إن القدرة على التكيف مع عدم اليقين الممتد ستصبح العامل الحاسم في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، بل وفي تحويل التحديات إلى فرص في بيئة دولية شديدة التقلب.
* مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة
د. رامي كمال النســور *
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر حول مضيق هرمــز، تتجــه أنظــار الأســواق إلــى كبار المستوردين للنفط، وعلى رأسهم الصين. فالمفارقة اللافتــة أن بكين تستورد عبر هذا الممر الحيوي كميات تفوق مــا تستــورده الهند واليابــان وكوريا الجنوبية مجتمعة، ومع ذلك لا نرى حملات طوارئ لخفض الاستهلاك أو دعوات شعبية للتقشف في الكهرباء.
لماذا؟ لأن الصين اختارت طريقاً مختلفاً: بناء منظومة اقتصادية وطاقة «مقاومة للصدمات» بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات عند وقوعها.
لقد وضعت الصين أهدافاً طموحة للتحول نحو المركبات الكهربائية، مستهدفة أن تبلغ مبيعاتها نحو 20% من إجمالي المبيعات السنوية. لكن الواقع تجاوز الطموح؛ إذ قفزت الحصة إلى ما يقارب 50% بحلول 2025. هذا التحول لم يكن مجرد إنجاز صناعي، بل أداة استراتيجية لتقليص الطلب على الوقود السائل.
وما هي النتيجة؟ أن ما وفرته الصين من استهلاك النفط نتيجة كهربة النقل بات يقارب — في دلالته الاستراتيجية —حجم وارداتها من دول رئيسية مثل السعودية. أي أن خفض الطلب الداخلي أصبح بمثابة «إمداد افتراضي» يقلل الحاجة إلى الشحنات البحرية المعرضة للمخاطر.
نقطة أخرى مهمة وهي أن الصين لم تكتفِ بخفض الطلـب؛ بـــل أعـادت هندسة جانب العرض. فبدل الاعتماد على عدد محدود من المورّدين، وسّعت الصين سلة الاستيراد لتشمل دولًا متعـددة مثل روسيا وإيران وغيرها. هذا التنويع يخفف أثر أي اضطراب جيوسياسي يصيب مورّداً بعينه أو مساراً محدداً.
كما عملت الصين على تنويع مزيج الطاقـــة داخليــاً، فعـــلى مستوى الشبكات، اعتمدت الصين سياسة المزيج المتعدد، الوقود التقليدي (نفط وغاز) و الفحم (رغم تحدياته البيئية، يظل ركيزة للموثوقية) و الطاقة الشمسية والمتجددة.
هذا التوازن يمنح النظام مرونة تشغيلية إذا تعثر مصدر، يعوضه آخـر دون صدمة واسعة للاقتصاد أو للمستهلك.
أيضاً عملت الصين على تعزيز الإنتاج المحلي وتوفير بنية برية بديلة إذ تُنتج الصين محلياً نحو 4.3 مليون برميل يومياً من النفط، وهو ركيزة لا يُستهان بها لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. إلى جانب ذلك، استثمرت بكثافة في خطوط الأنابيب البرية التي تربطها بمناطق الإمداد في آسيا الوسطى وروسيا، ما يقلل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة.
أخيراً فإنه وعند جمع هذه العناصر—خفض الطلب عبر الكهربة، تنويع الموردين، تعدد مصادر الطاقة، الإنتاج المحلي، والبنية البرية—نحصل على نموذج واضح: الصين لا تنتظر الأزمة لتتفاعل معها؛ بل تبني نظاماً يجعل أثر الأزمة محدوداً سلفاً.
وهنا تكمن الفلسفة؛ إدارة الأزمات تعني ردّ الفعل. أما بناء المنظومة المقاومة للصدمات فيعني تقليص الحاجة لردّ الفعل أصلاً.
رغم انكشاف الصين الكبيــر نظريـاً علــى مضيق هرمز، فإن سياساتـــها المتراكمــة جعلـت هـذا الانكشاف أقـل تأثيراً عملياً. الدرس الأهم ليس في حجم الاستيراد، بل في كيفية تصميم الاقتصاد ليمتص الصدمات من حيث تقليل الطلب عند المصدر، تنويع العرض، وتشييد بدائـل لوجستيــة. إنها مقاربــــة استراتيجيـــة عميقـــة تُحوّل الأزمـــات مـــن تهديد وجودي إلى اختبار يمكن تجاوزه.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة
د. رامي كمال النسور *
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مؤخراً، يبرز ملف أمن إمدادات الطاقة كأولوية قصوى لدول مجلس التعاون الخليجي. ويأتي التفكير في مد أنابيب نفط بديلة تتجاوز مضيق هرمز كخيار استراتيجي يعكس تحولاً نوعياً في إدارة المخاطر، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي وتعظيم العوائد.
إن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. غير أن اعتماده كمسار شبه وحيد لصادرات الخليج يجعله نقطة اختناق استراتيجية، تتأثر سريعاً بأي تصعيد سياسي أو عسكري.
ومن هنا، فإن تنويع مسارات التصدير لم يعد خياراً تكميلياً أو رفاهية ً، بل ضرورة اقتصادية وأمنية.
إن إنشاء شبكات أنابيب بديلة يحمل في طياته مجموعة من العوائد الاقتصادية المهمة، أبرزها تقليل المخاطر الجيوسياسية من خلال تخفيف الاعتماد على ممرات بحرية حساسة يقلل من احتمالات تعطل الصادرات. وكذلك خفض تكاليف التأمين والشحن ففي أوقات الأزمات، ترتفع علاوات المخاطر على السفن بشكل كبير، ما ينعكس مباشرة على كلفة الصادرات. كذلك يؤدي إنشاء الخطوط البديلة إلى تعزيز استقرار الإيرادات وضمان تدفق النفط من دون انقطاع ما يسهم في استقرار الميزانيات العامة. إضافة إلى رفع القدرة التفاوضية للدول المنتجة إذ الدول التي تمتلك بدائل تصدير أكثر تكون في موقع أقوى في الأسواق العالمية.
وهنا تبرز الحاجة إلى تناول موضوع الإيرادات الفائتة... كلفة الإغلاق غير المرئي ففي حال تعطل أو إغلاق مضيق هرمز لفترة قصيرة فإن الخسائر لا تقتصر على توقف الشحنات، بل تمتد إلى إيرادات فائتة ضخمة.
فكل يوم تعطّل يعني فقدان ملايين البراميل من الصادرات وخسارة مباشرة في التدفقات النقدية الحكومية إضافة إلى ضغط على الموازنات العامة والإنفاق الرأسمالي كما أن الأسواق لا تعوض هذه الخسائر بالكامل لاحقاً، إذ إن الفرص الضائعة في البيع عند مستويات سعرية معينة لا يمكن استعادتها، خاصة في ظل تقلبات الأسعار.
إضافة إلى ذلك، فإن تعطّل الإمدادات قد يدفع العملاء العالميين إلى البحث عن موردين بديلين، ما يهدد الحصص السوقية على المدى المتوسط وبالتالي، فإن الاستثمار في خطوط الأنابيب البديلة لا يمثل كلفة إضافية، بل هو أداة لحماية الإيرادات ومنع خسائر محتملة بمليارات الدولارات.
والحقيقة أن فكرة تجاوز نقاط الاختناق ليست جديدة، فقد شهدت المنطقة في منتصف القرن الماضي إنشاء خط التابلاين (Trans-Arabian Pipeline)، الذي نقل النفط السعودي عبر الأراضي العربية إلى البحر الأبيض المتوسط.
ورغم توقفه لاحقاً، فإنه شكل سابقة استراتيجية تؤكد أهمية تنويع مسارات التصدير، وتقليل الاعتماد على الممرات الضيقة.
وفي هذا الصدد قدمت دولة الإمارات نموذجاً متقدماً في هذا المجال من خلال خط أنابيب حبشان – الفجيرة، الذي ينقل النفط من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل.
هذا المشروع لم يعزز فقط أمن الصادرات، بل حول الفجيرة إلى مركز طاقة إقليمي، يضم مرافق تخزين وتصدير استراتيجية، ويستقطب استثمارات عالمية في قطاع الطاقة.
وبدورها، عملت المملكة العربية السعودية على تطوير خط الأنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
هذا الخط يمنح المملكة مرونة كبيرة في توجيه صادراتها نحو الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية والأمريكية، بعيداً عن أي مخاطر محتملة في الخليج العربي.
إن الخطوة التالية تتمثل في تعزيز التكامل بين دول الخليج عبر شبكات أنابيب مترابطة، تتيح تنويع المسارات وتبادل القدرات التصديرية.
مثل هذا التكامل من شأنه أن يحول المنطقة إلى منظومة طاقة أكثر مرونة واستدامة، قادرة على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية بكفاءة أعلى ما يعني بالنتيجة نحو تكامل خليجي في البنية التحتية.
إن الاستثمار في تطوير خطوط أنابيب بديلة لتجاوز مضيق هرمز لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية تقليدي، بل يمثل خياراً استراتيجياً يعيد تشكيل معادلة الأمن الاقتصادي والطاقة في المنطقة، من خلال تقليص المخاطر الجيوسياسية وتعزيز استدامة التدفقات النقدية النفطية.
وفي ظل التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية، فإن الدول التي تستبق المخاطر عبر تنويع قنوات التصدير ستتمتع بميزة تنافسية نوعية، تُمكّنها من الحفاظ على استقرار إيراداتها وتعزيز موثوقيتها كمورد رئيسي للطاقة، حتى في أوقات الاضطراب.
كما أن التجارب العملية، سواء من خلال مشاريع دولة الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية، إلى جانب الدروس التاريخية المستفادة من خط «التابلاين»، تؤكد أن تنويع مسارات تصدير النفط لم يعد خياراً تكميلياً، بل ركيزة أساسية في استراتيجيات الطاقة والسياسات المالية لدول المنطقة.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة
د. رامي كمال النسور*
شهدت أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة تراجعات حادة جداً في وقتٍ تتصاعد فيه حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث كان من المتوقع أن يسجل الذهب قفزات قوية باعتباره الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات. غير أن ما يحدث في الأسواق العالمية يعكس مشهداً مختلفاً، إذ يتعرض الذهب لضغوط ملحوظة، في مفارقة تستحق التوقف والتحليل.
إن أحد أبرز العوامل التي تقف خلف هذا التراجع يتمثل في السياسة النقدية الأمريكية، حيث يواصل الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً.
وفي ظل هذه البيئة، يفقد الذهب جزءاً من جاذبيته، كونه أصلاً لا يدر عائداً، في مقابل أدوات مالية دولارية توفر عوائد مستقرة، مثل السندات وأذون الخزانة. ومع غياب إشارات واضحة لخفض قريب في أسعار الفائدة، يواصل المستثمرون إعادة توجيه محافظهم نحو الأصول المدرة للدخل.
وعلى خلاف ما جرت عليه العادة، لم يؤدِ ارتفاع أسعار النفط الذي حصل بنسب مرتفعة إلى دعم الذهب، بل ساهم بشكل غير مباشر في تقوية الدولار. فمع تسعير النفط عالمياً بالعملة الأمريكية، يؤدي ارتفاع أسعاره إلى زيادة الطلب على الدولار لتغطية واردات الطاقة، ما يعزز من قوته في الأسواق العالمية.
هذه القوة المتزايدة للدولار تمارس ضغطاً مباشراً على الذهب، نظراً للعلاقة العكسية التقليدية بينهما.
وخلال السنوات الماضية، لعبت البنوك المركزية دوراً محورياً في دعم أسعار الذهب عبر زيادة احتياطياتها منه، في إطار سياسات تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار.
غير أن البيانات الأولية لعام 2026 تشير إلى تراجع ملحوظ في مشتريات الذهب خلال الشهرين الأولين، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب الهيكلي في السوق، وترك الأسعار أكثر عرضة للتقلبات قصيرة الأجل بمعنى تراجع مشتريات البنوك المركزية.
إلى جانب تراجع الطلب الرسمي، برز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في انحسار مشتريات الأفراد والمستثمرين عبر صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالذهب (ETFs).
فخلال الشهرين الماضيين، شهدت هذه الصناديق تخارجات واضحة وتدفقات خارجة، وهو ما يُعد مؤشراً مباشراً على تراجع شهية المستثمرين الأفراد تجاه الذهب.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة، كونها تعكس السلوك الفعلي لشريحة واسعة من المستثمرين العالميين، الذين باتوا يفضلون التحول نحو أدوات أكثر سيولة وعائداً، في ظل بيئة أسعار الفائدة المرتفعة وقوة الدولار.
ومن ثم وفي خضم الأزمات الحالية، لم يعد الذهب الخيار الوحيد للتحوط، إذ برز الدولار الأمريكي كملاذ آمن منافس، مستفيداً من ارتفاع العوائد، وقوة الاقتصاد الأمريكي، وعمق أسواقه المالية.
هذا التحول يعكس تغيراً في سلوك المستثمرين، الذين باتوا يفضلون الأصول ذات السيولة العالية والعائد المباشر، خصوصاً في بيئة تتسم بعدم اليقين.
إن ما تشهده الأسواق اليوم يؤكد أن العلاقة التقليدية بين الأزمات وارتفاع الذهب لم تعد ثابتة كما في السابق وكما جاء في بطون أمهات الكتب في علم الاستثمار فالعوامل النقدية، وعلى رأسها أسعار الفائدة وقوة الدولار، أصبحت أكثر تأثيراً في تحديد اتجاهات الذهب من العامل الجيوسياسي وحده.
وهكذا رغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، فإن تراجع الذهب يعكس تحولاً هيكلياً في ديناميكيات الأسواق العالمية، حيث تتقدم أدوات العائد والسيولة على حساب الملاذات التقليدية.
وفي ظل استمرار هذه المعطيات، سيبقى أداء الذهب رهين توازن دقيق بين السياسة النقدية الأمريكية، واتجاهات الدولار، ومستويات الطلب المؤسسي والفردي، أكثر من كونه انعكاساً مباشراً للأحداث الجيوسياسية.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة