نخدع أنفسنا أم نضلل الآخرين عندما نزيف الحقائق على مواقع التواصل، لنظهر من الطبقة ذات الدخل المرتفع، ومشاهد أسرية محفوفة بالمحبة والألفة والترابط، ولقطات معدلة بما تتيحه التقنية من تعديلات حتى نظهر بالشكل اللائق اجتماعياً ومادياً أو ما هو معروف بالاستعراض.
سلوكيات غريبة باتت تتزايد بوضوح وتأخذ أشكالاً مختلفة تحولت إلى أشبه ما يكون بالتنافس المحموم بين أصحاب بعض الحسابات الشخصية التي تستعرض تفاصيل حياتها ويومياتها، بمُبالغة، وإن كان وهماً يصدقه صاحب اللقطة قبل المُشاهد أو المُتابع له على مواقع التواصل.
مما لا شك فيه أن الآثار الاجتماعية والمادية السلبية التي تنعكس على الحريصين على متابعة هذه النوعية من المستعرضين، تظهر لدى بعض المتأثرين بأشكال مختلفة ومنها محاولة التقليد باقتناء كل ما هو غالي الثمن، والسفر المتكرر لدول عدة، من دون الحاجة إلى ذلك، وإبراز الثراء بحجز مقعد طائرة على الدرجة الأولى، والتسوق في أغلى المتاجر العالمية وغيرها من السلوكيات التي بات بعضهم يقلدها وإن كان على حساب الراتب الذي يقضمه البنك، بسبب القروض التي تكبدها رغبة في عيش حياة الأثرياء.
لا يقف الأمر عند حدود ذلك، وإنما يتعداه إلى التسبب بمشكلات حياتية، ومن يبحث في بعض حالات الطلاق أو الانفصال الصوري والنفسي بين الزوجين، أو تعثر العلاقات بين الآباء والأبناء، يجد أن تأثير تلك الحسابات الاستعراضية يظهر على الأسباب المؤدية لها وبوضوح.
في حديث مع أحد المستشارين القانونيين، أشار إلى أن البحث عن أسباب الطلاق في بعض الحالات، نجد أنها تعود إلى أسباب لا تليق بوقوع «أبغض الحلال عند الله»، حيث تتسبب تلك المشاهد بتولد شعور الرغبة في عيش الحياة المثالية التي لا يمكن أن توجد بالأصل، وكذلك عيش حياة الرفاهية، ما يتسبب بحدوث ضغوط نفسية دائمة ينتج عنها وقوع الطلاق لأتفه الأسباب.
في زمن سيطرت فيه التقنية على حياتنا، بات من الضروري كبح جماح المهووسين بالاستعراض، وتوعية الأجيال التي باتت تألف هذه النوعية من الممارسات، ولا تستهجنها، التي بعضها مرفوض، وفقاً للأعراف والعادات والقيم العربية والإسلامية.
يجب أن يعي كل من يستعرض، أن الخصوصية ليست مجرد مصطلح، وإنما مطلب يجب أن نحيط به حياتنا، حتى لا نفقد لذة العيش الهانئ، وأن العفوية في اللقطات الخاصة التي نحتفظ بها في هواتفنا أجمل عندما تكون خالية من التعديل، والتقاط تلك اللحظات ليس للاستعراض، ونتنزه ونسافر لنعيش اللحظات ونستمتع بها وليس لنشرها، ونقتني كل ما نحتاج إليه فقط، من دون أن نتكبد مبالغ طائلة توقعنا تحت طائلة الديون. حياتنا جميلة كما هي ولا نحتاج إلى من يضع لنا «الإعجاب».
الاستعراض المزيف
27 يوليو 2025 00:15 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 يوليو 00:15 2025
شارك