لا شكَّ في أن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، يملك من الخبرة ما يكفي لإدراك أثر تصريحاته عن إسرائيل الكبرى ورؤيته لذلك التي تختلط فيها الأوهام بالأحلام بالاستخفاف، لكن الواجب أن تكون ردود الأفعال عليها مغايرة لتوقعاته.
ليس جديداً أن تأتي التصرفات والتصريحات الإسرائيلية، خاصة في هذه الفترة، متحدية لكل مبادئ القوانين الدولية، فالممارسات في غزة، سيما المتعلقة بالجانب الإنساني، هي أحدث الدلائل على ذلك وقبلها تاريخ طويل من وقائع الاستهانة بكل شيء، إما استغلالاً للحظات رخوة في تاريخ المنطقة وإما اطمئناناً إلى دعم أمريكي قد يكون في صيغة الصمت المعبر عن الرضا، أو الاثنين معاً. وفي كل الأحوال، يرتبط ذلك بغلبة العناصر المتطرفة على التشكيلة السياسية الإسرائيلية وتعمدها التصريح والتصرف على نحو يخالف كل الجهود المبذولة لإقرار قيم السلام والتعايش في المنطقة.
ردود الفعل العربية والإسلامية على رؤية «إسرائيل الكبرى» تبدو طبيعية وواجبة، لكن الأهم تجاوز مرحلة الدهشة والغضب منها، فهي ليست جديدة على القاموس الإسرائيلي، سواء على لسان نتنياهو نفسه أو سياسيين إسرائيليين هدد بعضهم قبل سنوات بضرب منشآت عربية، كالسد العالي في مصر مثلاً، أو عبَّر، في اتجاه مخالف لتحركات إقرار السلام، عن وهم التوسع على حساب الأراضي العربية مستدعياً روايات دينية مكذوبة أو مختلة التأويل.
إذاً، لا تليق الدهشة من هذه التصريحات التي تجددت على لسان بنيامين نتنياهو ولا الاكتفاء بالإدانة التي قد تواريها فترة ثم تعاود الظهور، سواء على لسانه، إن بقي، أو على لسان من يشبهه في أروقة السياسة الإسرائيلية.
الأهم، إلى جانب دهشة البعض الغافلة عن طبيعية العقلية الإسرائيلية والإدانة الجماعية، التفكّر في جرأة بنيامين نتنياهو على الخروج بهذا الطرح الذي يعني ما هو أكثر من الحلم أو الوهم، بينما تتواصل المساعي لإحداث تقدم حقيقي في مسار القضية الفلسطينية، وبينما مدَّت دول عربية يدها بالسلام المرهون بصون حقوق الشعب الفلسطيني وكانت الأجواء مهيأة للمزيد من الاتفاقات على المبدأ ذاته.
ما يستوجب وقفة مع هذه التصرفات الإسرائيلية العدوانية والمتطرفة تنبيه من يعنيه الأمر إلى خطورة تنكّر بنيامين نتنياهو لأسس السلام، وفصله عن الاحترام الواجب لحقوق الجيران، سواء باتفاقات أو غيرها، وكذلك قطع أي مسار مستقبلي له.
إن السلام ليس مجانياً، وليس هناك ما قد يدفع دولاً عربية إلى مراجعة موقفها منه وليس منفعة لطرف دون غيره كما يتوهم نتنياهو أو رفاقه في طريق السياسة الإسرائيلية المتطرفة.
وإن كان نتنياهو يرى أن نشوته بما يعتبره انتصارات استراتيجية حققها في واحدة من لحظات التحول في المنطقة يجعله يتجاوز الخطوط الحمراء في السياسة العربية، فذلك وهم إضافي.
أما نحن، فيُفترض أن زمن الدهشة من قديم مُعاد وإدراك أن التصدي له يستحق ما هو أكبر من الإدانة.

[email protected]