يمكن اعتبار «الربيع العربي» انعطافاً في مسيرة الإعلام العربي، انطلاقاً من أنه تأثر، كغيره من المجالات، بأشكال التغيير التي تضمنها هذا الحراك. وتبدّى هذا التأثير، بنظر البعض، في ما أتيح من «حريات» يراها آخرون بلغت حد الانفلات، وتهديد القيم الوطنية والأمن القومي، خاصة عند الوقوف أمام استخدامات الجماعات غير المؤمنة بهذه المعاني، وامتلاكها منابر تبث من خارج الوطن العربي.
لم تكن أحداث «الربيع العربي» هي المؤثر الوحيد في حال الإعلام، فلا يمكن إغفال كثرة نوافذه وأدواته وأداءاته غير التقليدية المستفيدة من التطور التقني، بما يتيح من سهولة الوصول إلى متلقين أكثر، وتغيّر السمات المتعارف عليها لصنّاع الرسائل الإعلامية، والمحتوى الذي أصبح معنى عائماً غائماً تختلط فيه الحقائق بالشائعات، والجدية بالتفاهات. هذا التطور التقني الذي أصبحت أدواته ملقاة على الطريق، ويمكن لكل من شاء استخدامها، قد يصح الاعتراف بأن الإعلام غير الرسمي، بما في ذلك الذي تقدمه جماعات متطرفة أو معادية للدولة الوطنية، أكثر نجاحاً في توظيفها، لا لأن الرسمي يفتقد الأدوات والإمكانات البشرية، لكن لأنه، أولاً، محكوم بقيم وأخلاقيات قد تبطّئ ردود فعله أو رسائله، وربما أيضاً لاستسلامه، في بعض التجارب، لمناهج أداء قديمة أو تقليدية تستلزم المراجعة.
محددات الإعلام الرسمي العربي، والقيمي والأخلاقي منها لا يمكن التخلي عنه، جعلته في معظم الأحوال في خانة المدافع، هو موقع لا يكفي في وجه موجات الهجوم الضاري المتواصل على مدار الساعة، من قنوات ومنصّات وصفحات، موزعة على بقاع كثيرة. ومرة أخرى، وبعيداً عن المحتوى المتحرر من أية قيم أو معايير إعلامية، لا يضر الاعتراف بأن هذه النوافذ المحرضة والمهاجمة، استفادت جيداً من التطور التقني، وصنعت لنفسها «نجوماً» هم أقرب إلى الاحتراف في الشكل وطريقة الأداء، بينما صلتهم منعدمة بكل الأخلاقيات الإعلامية.
في مواجهة ذلك، لا تزال بعض الوجوه الإعلامية القديمة العابرة للأجيال، تحتل مواقع يرى كثيرون أنها لا تستحقها في الإعلام الرسمي، بينما الجديدة، مختارة في أغلب الحالات، بمعايير يغلب عليها منطق الثقة حسب خبراء. ولعل هذا ما يفرض مراجعة الأداء الإعلامي العربي، وهو إجراء بدأته مصر بتوجيهات رئاسية، فيها قدر معتبر من الاعتراف بخلل المعايير السائدة.
والأهم من الاعتراف هو البدء في تغيير جدّي، يخرج الإعلام الوطني من دائرة الدفاع إلى مزيد من القدرة على مناقشة كل القضايا، وعرض المواقف الرسمية بشكل لا يجعلها عُرضة للتحريف أو التشويه، خاصة أن المتلقي اليوم مختلف أيضاً، ولا يملك جلد التدقيق والربط بين المعلومات، ليخلص إلى حقيقة، بل إن المفترى والمشوه وغير الحقيقي، قد يكون أكثر ثباتاً في نفسه، حتى لو اطلع على المعلومات الصحيحة بعد ذلك.
وهذه تغيرات تدركها جيداً النوافذ المهاجمة، وتبني رسائلها عليها، وعلى كثرتها يبقى الإعلام الرسمي في موقف المدافع.
دفاع أم هجوم؟
19 أغسطس 2025 00:14 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 أغسطس 00:14 2025
شارك