ربما يكون مفهوماً إحباط الأوروبيين من قمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا. فتصريحات وتغريدات ترامب من قبل، ووعيده بمزيد من العقوبات على روسيا، رفعت سقف التوقعات بأن يقنع بوتين في لقاء ألاسكا بوقف إطلاق نار في أوكرانيا. إلا أن اللقاء انتهى دون إعلان أي اتفاق سوى البيانات التقليدية عن قمة «إيجابية وبناءة». بل إن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أشار بعد القمة إلى احتمال رفع أمريكا بعض العقوبات عن روسيا. بالطبع كانت أوكرانيا أكثر إحباطاً، لأنها كانت تأمل أن يتخذ ترامب موقفاً معها تماماً باعتبار أمريكا تقود حلف «الناتو» والمعسكر الغربي كله. لكن الواقع غالباً ما يختلف عن الأمنيات، فقد صرح الرئيس الأمريكي بعد القمة أن بلاده لن تقبل بانضمام أوكرانيا لحلف «الناتو»، وهو مطلب روسي أصيل وكان من أهم أسباب بدء الحرب قبل نحو ثلاث سنوات.
كل التعليقات في الصحف الغربية، واليمينية منها بخاصة، تنتقد ترامب وترى أن «بوتين لعب بعقله» في القمة. لكن الحقيقة أن الرئيس الأمريكي تعامل مع نظيره الروسي على أساس مصلحة أمريكا وربما مصلحته هو شخصياً، بغض النظر عن آمال الأوروبيين وطموحات الأوكرانيين. لذا، عاد إلى واشنطن ليتحدث عن «حل شامل» وتسوية أزمة أوكرانيا وليس وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار.
الأقرب للمنطق أن الرئيس ترامب لا يريد وقفاً لإطلاق النار يتم خرقه بسرعة كما حدث من قبل، بل ويشجع أوكرانيا على قصف العمق الروسي مثلما كان في مرة سابقة. هو يريد صفقة شاملة تنهي الحرب كي يسجل له أنه «رجل سلام» أنهى حرب أوكرانيا. بالضبط كما يفعل مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، في إمهاله يفعل بالفلسطينيين ما شاء من تقتيل وتدمير إلى أن يتم التوصل لحل شامل ينهي الحرب على غزة ولو بتفريغها من سكانها الأصليين.
ربما يكون ذلك لأن ترامب يطمح إلى نيل جائزة نوبل للسلام لأنه رجل إنهاء الحروب، ولن يساعده في ذلك التوسط لوقف إطلاق نار هنا وهناك لتعود الحرب من جديد ربما اشد عنفاً وتدميراً. وربما لأنه يبحث عن مصلحة أمريكية مباشرة من كل تدخل، أو حتى مصلحة اقتصادية مباشرة له ولحلفائه من رجال المال والأعمال. إنما ما لا يبدو منطقياً هو تشبيه ترامب برئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين في اتفاقية ميونخ عام 1938. هذا ما قاله اوليكسندر ميريشكو رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوكراني في مقابلة مع صحيفة التلغراف البريطانية. وهو يقصد ما حدث حين قدمت بريطانيا جزءاً من تشيكوسلوفاكيا لادولف هتلر باعتباره تفادياً لحرب ألمانية أخرى في أوروبا. وكانت نتيجة خضوع بريطانيا وحلفائها لهتلر في اتفاقية ميونخ أن تشجع هتلر واندلعت الحرب العالمية الثانية بعدها.
صحيح أن التاريخ مهم لاستخلاص الدروس بالقياس، لكن المقارنات ليست دوماً صحيحة. فلا بوتين مثل هتلر ولا ترامب مثل تشامبرلين ولا السياق من الواقع الأوروبي الحالي يشبه ما كان قبل قرن من الزمان. نعم، لدى روسيا بقيادة بوتين طموحات وبعضها على حساب أوروبا لكنها في النهاية اقتصادية وللتأثير في السياسة بالمصالح أكثر منها بالحرب. حتى ضم أجزاء من أوكرانيا ليس سوى تأمين لحدود روسيا الغربية وليس لاستعادة إمبراطورية الاتحاد السوفييتي السابق. إذاً يدرك بوتين والقيادة الروسية، قبل الآخرين، أن ذلك عهد ولّى ولا يمكن استعادته. أما إذا أراد أحد المقارنة التاريخية، فربما يكون الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الأقرب لوصف نيفيل تشامبرلين على عكس ما بدا ظاهراً من تشدد بايدن الذي دفع بوتين لدخول أوكرانيا. لكن حتى تلك المقارنة قد لا تبدو منطقية، فضلاً عن صعوبة القول بأن ترامب يشبه ونستون تشرشل الذي خلف تشامبرلين وقاد بريطانيا في الحرب العالمية الثانية بالنصف الأول من أربعينيات القرن الماضي.
قد يروق للبعض أن يسحب مثال اتفاقية ميونيخ 1938 التاريخي على الصراع في منطقتنا، وأنه كلما منحت إسرائيل تنازلات ستتشجع أكثر لاحتلال وضم المزيد من الأراضي. وهي مقارنة زادت وتيرتها بعد تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو التي تحدّث فيها عن «إسرائيل الكبرى» التي تضم أراضي من كل الدول المجاورة لفلسطين. لكن، مرة أخرى تبدو المقارنات هنا غير منطقية إلى حد بعيد.
وبغض النظر عن التشبيهات بين الأشخاص والأقاليم، فإن السياق هنا مختلف جذرياً فلا منطقتنا مثل أوروبا القرن العشرين ولا إسرائيل مثل ألمانيا أو روسيا. إن أهمية التاريخ ودروسه المستفادة تأتي من التعامل الصحيح معه لفهم الحاضر والعمل من أجل المستقبل وليس بمجرد الإسقاط القسري لأحداث تاريخية على واقع مختلف من كافة النواحي. فالتاريخ لا يعيد نفسه، حتى وإن تشابهت قواعد الصراعات الأساسية في مختلف العصور. ثم إن السياق العالمي والإقليمي في النصف الأول من القرن العشرين لم يعد صالحاً سحبه على واقع الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. هناك فارق كبير بين التعلم من التاريخ وبين استسهال المقارنة والإسقاط لتبسيط التفسير، ففي الأخير خطر كبير. إذاً.. إن خطأ التقدير يقود إلى استنتاجات غير منطقية تزيد من خيبة الأمل.
[email protected]