يبدي بعض الزملاء والأصدقاء في المهنة وخارجها استغرابهم إلى حد الدهشة من الكتابة بقلم الحبر السائل على ورق الجريدة المتبقّي من المطبعة والمقصوص بحجم A4 أو أكبر من هذا الحجم بقليل، وهي عادة قديمة أصبحت مع الزمن ممارسة يومية، بل أكثر من ذلك أشعر بنوع من القلق إذا لم أجد ورق الجريدة، ودائماً تنشأ لي صداقات صغيرة وجميلة مع عمّال المطبعة الذين يوفّرون هذا الورق الذي يشبه ورق البردي، وله رائحة عطرية غامضة وجميلة في الوقت نفسه بخاصة حين يختلط الحبر الأسود مع هذا الورق الذي أحبّه، وأصبح ما يشبه خبزي اليوميّ منذ أكثر من أربعة عقود من الكتابة.
أشياء شخصية تفصيلية أحببت الكتابة عنها حين عرفت أن هناك من يكتب على هذا الورق إلى اليوم، ولكنهم كتّاب نادرون، ذلك أن الكمبيوتر والطباعة الآلية اجتاحا تماماً تلك العادات القديمة، وأصبح من يكتب بهذه الطريقة في زمننا الذكي صناعياً أشبه بالمادة المتحفية الأثرية، ومع ذلك أهلاً بهذا المتحف.
ما زلت أذكر تلك الصباحات التي أمضيتها في كافتيريا جريدة «الدستور» الأردنية في عام 1995، حيث أتناول فطوري وأباشر الكتابة على ذلك الورق، وكانت الكافتيريا في الطابق الأرضي للجريدة حيث المطبعة ورائحتها وصوتها الجميل.
عرفت ورق الجريدة والكتابة عليه في جريدة «اليوم» في الدمام في عام 1983، وفي «الخليج» بيت الروح والقلب، سأكون الوحيد الذي يكتب على هذا الورق حتى خط هذه السطور، وكل رزمة ورق أحصل عليها تشعرني بالاكتفاء والطمأنينة الداخلية كما لو أن المرء ضمن خبزه وطعامه في ذلك اليوم الذي فيه الكثير من الورق.
خارج ما هو شخصي في هذه الكتابة، هي تلك الملاحظة التي خرجت بها، وهي أن أسلوب الكاتب يختلف في الكثير من الأحيان إذا كتب على ورق ليس ورقه أو كتب بقلم ليس قلمه.
هل يشكل الورق جزءاً من تاريخ الإنسان بل وحتى ذاكرته؟ الجواب نعم بالنسبة إلى أولئك الورّاقين أو بالنسبة إلى الذين ما زالوا ورّاقين في زمننا الآلي هذا.
يقول تاريخ الورق إن الصينيين هم أوّل من اكتشفوه، وهم أيضاً أوّل من صنع الحبر، وربما يعود ذلك إلى طبيعة الخط الصيني الذي كما لو أنه يُرسم أكثر مما يُكتب أو يُخَطّ.
الورق أيضاً وثيقة الإنسان ومحفظته اللغوية والأبجدية والبشرية. تاريخ ميلادنا يُكتب على ورقة. وثيقة الزواج ممهورة بتوقيع الموظف المدني المختص على ورقة، والنقد المالي اليومي الذي تتعامل به هو نوع خاص من الورق، والمخطوطات الثمينة أصلها ورق أو رقاع من الجلد، لكن الورق هو دائماً جزء من هوية الكتابة والنسخ والخط.
الكتب التي نقرؤها، والتي قامت عليها حضارات وثقافات بل وإمبراطوريات كبرى هي عائلة عالمية من الورق، ثم إذا وقع قلبك في الحب، فإن أولى رسائلك العاطفية كانت على ورقة.
ثم «لا تردّين الرسايل، ويش اسوّي بالورق».
[email protected]