تحوّل مؤتمر الشارقة الدولي للناشرين من حدث دولي سنوي تخصصي يتصل بقطاع النشر وصناعة الكتاب إلى منتدى نخبوي لثقافة التسويق والتوزيع وحقوق المؤلفين، والملكية الفكرية، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في سوق الكتاب، بل إن المؤتمر تحوّل أيضاً إلى منصّة عالمية ضخمة لإدارة الشراكات المهنية التي تنشأ بين الناشرين من خلال عشرات، بل مئات جولات الحلقات النقاشية التي تجري بنظام ودقة واحتراف بين رجال قطاع النشر وعقوله المفكّرة.
المؤتمر تحوّل إلى طابع فكري ثقافي وهو يدخل الآن دورته السادسة عشرة وبحضور وتفاعل 1433 مشاركاً من 126 دولة من الشرق والغرب، لا بل لم يغب عن المؤتمر ممثلون استثنائيون لكيانات دولية مرموقة في العالم وذات تاريخ تأسيسي عريق مثل الاتحاد الدولي للناشرين.
ثقافة النشر والتوزيع والتبادلات التشاركية العالمية هي معاً العنوان العام لمؤتمر الشارقة الدولي للناشرين، التجمّع الأكبر الذي يستقطبه معرض الشارقة الدولي للكتاب، ويجري تنظيمه عادة على مدى ثلاثة أيام قبيل الانطلاق الرسمي لفعاليات المعرض، أي أن معرض الكتاب هو في الوقت نفسه منتدى موسع للناشرين من كل جهات العالم.
هذه ميزة استثنائية لمعرض الشارقة الدولي للكتاب لا نجدها في معرض فرانكفورت مثلاً للكتاب، ولا نجدها بهذا التنوّع والتعددية والاتساع في أي معرض كتاب دولي آخر، الأمر الذي يعني اهتمام الشارقة بصناعة الكتاب، ونشره، وتسويقه، وما يستتبع هذه الصناعة الاقتصادية الناجحة من حقوق وقوانين وضوابط أخلاقية.
المؤتمر أيضاً هو تاريخ حيّ ومباشر لحركة الكتاب العربي والعالمي، وقد استفدنا، كإعلاميين وصحفيين ومتابعين للمعرض وللمؤتمر، من حيوية المعلومات التاريخية التي تذكر في الكثير من أوراق وأفكار الناشرين، وعلى سبيل المثال سنعرف أن المطبعة السلطانية كانت في زنجبار في العام 1882، وذلك في إطار اختيار سلطنة عمان ضيف شرف هذه الدورة المهمّة من المعرض.
تحويل الكتب إلى أعمال سمعية وبصرية واستراتيجيات تسويق الكتب، والتعرّف إلى أسواق النشر في بلدان كبرى مثل اليابان والصين وأمريكا اللّاتينية، وحركة الكتاب في العالم بحيث يصبح مادة معرفية عابرة للحدود والقارّات، وفن بناء العلاقات المهنية بين الناشرين، كل هذه الأفكار والموضوعات ذات الطابع الثقافي العالمي يجري تداولها والتفكير فيها ومعاينتها علمياً ومهنياً في مؤتمر الشارقة الدولي للناشرين، المؤتمر الذي تحوّل إلى جامعة عالمية قائمة على تاريخ الكتاب وجغرافياته العالمية المتعدّدة.
