في الأساطير كل شيء ممكن الحدوث، لأن المخيّلة البشرية كانت في طور الطفولة، وهي بذلك أكثر توليداً للحكايات بشكلها المذهل والغرائبي، ذلك الشكل الذي لا تستطيع البشرية الآن توليده أو تخيّله، ومهما كان الذكاء الاصطناعي نشيطاً وسريعاً، لكنه، بلا خيال. وهل يستطيع هذا الذكاء (الغبي أحياناً) أن يصوغ حكاية، مثلاً، عن ذلك الطائر الأسطوري الذي يفقس بيضه وهو طائر في الجوّ، ومن يأكل القشر يصبح مجنوناً؟
لقد جاءت هذه الحكاية أو هذه الصورة في إحدى الأساطير القديمة، واسم الطائر الصفاة، لكنّ هناك طائراً آخر اسمه السيمور يقال إنه يمتلك معرفة كل العصور.
سأنقل إليك المزيد من أساطير الطيور التي أتحدّى بها الذكاء الاصطناعي بشكل خاص، ليس لأنه عدوي أو عدوّك، بل لأنه بلا مخيّلة في ما يخص الآداب والفنون، وقد يكون هذا الذكاء ذكياً بالفعل في الفيزياء والعلوم والتكنولوجيا والطب والصناعة والإدارة، لكنه في الإبداع البشري الجمالي صفر على الشمال.
مناسبة، إذاً، لاستعراض أساطير الطير، ومن أجملها في الميثولوجيا اليونانية والمصرية أسطورة طائر الفينيق (موسوعة الأساطير العالمية، حنّا عبّود)، «وفي المعتقد اليوناني يعيش طائر الفينيق في الجزيرة العربية بالقرب من بئر باردة المياه، كل صباح عند الفجر لا بدّ أن يستحم بالماس ويطلق أغنية جميلة، وعندما يقترب الموت يشعر به، فيتوجّب عليه أن يبني عشاً من الأوراق المعطّرة أو من شجر البخور ويضرم فيه النار ويحترق باللهب».
استخدم الكثير من الشعراء العرب أسطورة الفينيق في أشعارهم التي تركز إلى الإدارة البشرية القوية التي تتحدّى الموت والإحباط والهزيمة، لكن تظل الأسطورة بصورتها الميثولوجية الأولى أجمل من التوظيف والترميز.
وقد وصلت مخيلة الأسطوريين القدامى قبل أي إبداع بشري أو صناعي إلى درجة أن طائراً في الميثولوجيا الفارسية هو «السيمورغ» أو طائر الرّخ هو الذي قام بتربية والد البطل رستم في الجبال. تخيل طائراً يربّي رجلاً.
كل هذه الطيور «كوم» وذلك الطائر الخرافي الذي اسمه «أوزيلوم بيرد» كوم آخر، فهذا الطائر يطير دائماً إلى الخلف. لماذا؟ لأنه لا يحب أن يعرف أين يذهب، وإنما يحب أن يعرف أين كان، ولذلك، فهو يطير إلى الخلف، إلى المكان الذي طار منه، وكأن الأسطورة تريد القول لنا إن المعرفة إنما هي في الماضي، وليست في الحاضر أو في المستقبل، أو إن من يريد معرفة نفسه في حاضره وفي مستقبله عليه أن يعرف ماضيه.. عليه أن يطير إلى ماضيه، والذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يطير إلى الخلف مثل «أوزيلوم بيرد»..
