لا تميل شخصية وزير الثقافة اللبناني د. غسّان سلامة إلى إطلاق المصطلحات أو صناعتها أو الترويج لها، وذلك بحكم صورته الثقافية والفكرية الهادئة دائماً، والموضوعية عادة في قراءته للتاريخ وظواهره المتوالية، التي تتطلب، بالضرورة، طوفاناً من المفاهيم والمصطلحات، ويظل هو نائياً عن كل النظريات والأفكار المعلّبة ليقول رأيه المستقل دائماً والمبني دائماً على ثقافة عربية عالمية رفيعة.

قبل أيام، وعلى شاشة الحدث طرح د. سلامة جملة من الأفكار الحيوية الجاذبة للإعجاب بهذه الشخصية السياسية اللبنانية من دون أن تغرق في ملابسات ومربعات السياسة النفعية الانتهازية. رجل حرّ، مستقل العقل ونظيف الرؤية، والأهم من ذلك هدوء الفكر، ومرة ثانية من توليفات مصطلحية غرضية أو جهوية إن جازت العبارة.

د. غسان سلامة، في حدود معرفتي بتراثه الثقافي هو أوّل مفكر أو سياسي لبناني يتحدث عمّا سمّاه «العمى الطائفي»، وقد أطلق صاحب الفكر الحرّ هذه العبارة بمعناه الثقافي هو، أي أنه لا يفرّق بين منطقة ومنطقة أخرى في لبنان وذلك في سياق حديثه عن رؤيته لوظيفة وزير الثقافة: المحافظة على ممتلكات الدولة الأثرية، والحفاظ على الذاكرة اللبنانية، من دون الارتهان إلى أي محركات مذهبية أو طائفية. واستخدم الوزير المثقف والمفكر مجازاً شعبياً ذكي الدلالة حين قال: «ما تعرّضوا اكتافكم» في إشارة رمزية إلى استخدام القوّة، أياً كان شكل هذه القوّة، معنوية أو مادية.

أفكار حيوية، إيجابية، مستقلة، بل هي أفكار تنويرية إنسانية بالغة الشفافية والمعنى طرحها د. غسان سلامة بلسانه العربي أولاً وأخيراً، اللسان غير المرتهن بالمطلق إلى مؤثر أيديولوجي أو عقائدي أو سياسي نفعي، بل هي أفكار مثقف عربي حمل حقيبة وزارية جاءت إلى باب بيته لكفاءته وتاريخه ومكانته العلمية والأخلاقية، من دون حسابات أو مرجعيات أو محاصصة، فمثل د. غسان سلامة ليس حصة أحد، ولا هو حساب سياسي في بنك أحد.

في هذه المرحلة اللبنانية الجالسة على فوّهة برميل بارود، يتوجب على كل مثقف أو سياسي في لبنان الصغير الجميل أن يكون أعمى طائفياً، وأن يلتقط المعنى الحرّ في بلاغة العبارة المدروسة الهادئة التي قالها قبل أيام: «العمى الطائفي» والتي كان ينبغي أن تُقال وتمارس قبل ذلك بزمن طويل.

د. غسان سلامة يحترم فكرياً ونقدياً لأنه يستند في طرحه السياسي والثقافي والفكري إلى عقل واقعي بالدرجة الأولى وهي الواقعية التي يجب أن تلغي «البصيرة الطائفية» و«البصر الطائفي» و«الرؤية الطائفية»، هذه الكتلة الخشبية المتحجّرة من الفكر الأحادي الفردي التابع دائماً إلى مرجعيات خارجية، تحديداً خارج لبنان.

يرى د. غسان سلامة أن لبنان بلد انقسامي وفق بصيرته الواقعية، لكن لبنان، كما يقول، هو أيضاً بلد ديمقراطي والديمقراطي بالضرورة أعمى طائفياً، والأهم من ذلك أن «لا يعرّض كتفه».

ثقافة الأكتاف العريضة تنهار رويداً رويداً في لبنان الديمقراطي الواقعي طالما في هذا البلد عقل جميل وروح جميلة مثالها غسان سلامة.

[email protected]