كيف «أضحى التّنائي بديلاً من تدانينا»، فانقطعت سبل الوصال الحضاري الثقافي، بيننا وبين طاجيكستان وأوزباكستان وتركمانستان وكازاخستان؟ لم نعد نذكر ديار الخوارزمي والزمخشري وابن سينا وأبي حامد الغزالي والنقشبندي. أمست تلك الربوع وجهاتٍ سياحيةً زهيدةً، تجتذب ذوي الدخل المحدود أو المعدود، أو المثقف الذي له محفظة نقود كحافظة توفيق الحكيم.
من عجائب الزمن أن مشكلاتنا الكبرى، تلوح مقولبةً في سبعة عقود. قبل الثورة البلشفية، لم تكن الأواصر مُحكمة النسيج مع تلك الأقطار التي يسمّيها ياقوت الحموي في«معجم البلدان»: بلاد الترك، ويطلق الغربيون على أهلها اسم «الترك المغول». لكن عقود وضع الاتحاد السوفييتي إيّاها تحت إبطه، وفرض الأبجدية الكيليرية عليها، حرمتنا دافئات المنى، وغدت«تنأى المسافات ما بيننا».
في جولة استطلاعية بين الكتب الطاجيكية بلغتها الفارسية، وقف القلم «وقوفَ شحيحٍ ضاع في التُرْب خاتمُهْ»، أمام كتاب في ثلاثين وألف صفحة (بي دي إف). قال: أصطاده قبل أن يضيع في متاهات الشبكة، فهذا لعمري أثمن وأسمن من ذي سنامين: «مدوّنات صدرالدين عيني». هذا الأديب (1878-1954)هو مؤسس الأدب الطاجيكي الحديث، كاتب، روائي ورائد الشعر الطاجيكي الحديث، وهو سياسي أيضاً.
هي في المسمّى مدوّنات، ولكنها تحتل فصولاً أحياناً، شأن الحديث عن المدارس التقليدية في بخارى. ستسأل: أليست بخارى في أوزباكستان؟ لكن بلد الأوزبك، بشهيرتيه سمرقند وبخارى، ووطن الطاجيك، كانا ضمن الإمبراطورية السامانية، التي كانت في البداية إمارةً إسلاميةً تابعةً للخلافة العباسية، من هارون إلى المأمون، ثم ضمّت أجزاءً كبيرةً من أفغانستان، باكستان، إيران، طاجيكستان، أوزباكستان، تركمانستان وقيرغيزستان. كانت سمرقند ثم بخارى، عاصمتي الإمبراطورية.
فارسية «المدوّنات»، تعود إلى ما قبل العقد الرابع من القرن العشرين، لكنها من حيث الأسلوب والتركيب، والخصوصيات الطاجيكية في الاستعمالات النحوية والصرفيّة، تُضفي عليها نكهةً مختلفةً عن الفارسية في إيران. المقارنة بالعربيّة معبّرة، فكأنك تعود إلى أدب الجاحظ. في آخر«المدوّنات» معجم للمفردات التي تباينت معانيها، والاستخدامات النحوية والصرفيّة، وضعها المحقق توضيحاً. أمّا الفصول عن المدارس التقليدية في بخارى، فبها معلومات قيّمة عن المناهج. كان الطلاب يدرسون النحو العربي ثماني سنوات، ومنه «العوامل». مسكين ابن مضاء القرطبي، مؤلف تحفة «الردّ على النحاة»، أقام عليهم ثورةً مطالباً بحذف «باب العامل» من النحو، ولم يفلح في تحقيق مبتغاه، لا هو ولا معاصره ابن رشد، وها هو العامل عمل أعماله في بلاد الطاجيك والأوزبك، لكن السوفييت هدموا الجسور.
لزوم ما يلزم: النتيجة التأجيلية: التواصل مع متناثرات الحضارة الإسلامية، التي صارت متناثرات سوفييتية، ليس مستعجلاً، فالأمّة مشغولة بمسلسل «باب العامل» على تغيير خريطة الشرق الأوسط.
[email protected]
ذكريات نحويّة في طاجيكستان
30 أغسطس 2025 00:39 صباحًا
|
آخر تحديث:
30 أغسطس 2025 00:39 صباحًا
شارك