ما رأيك في أن نترك الشؤون المصيرية، الجيوسياسية والاجتماعية للقادرين على التمام، ونتسلّى نحن من الثقافة بما لا صداع فيه؟ ذلك الرأي الحكيم، فأولئك طوال عشرات السنين لم يسهل الهوان عليهم، وحلّوا جميع المشكلات فانحلّت انحلالاً مشهوداً، وحتى الأمّة نفسها في هذا الطريق سائرة. من باب عدم تكليف النفس إلّا وسعها، كل ما تتمناه الأمّة من المثقفين، أن يقتصروا، في ما تخبّئه الليالي للشرق الأوسط، على انعكاسات الخرائط المجهولة على مستقبل اللغة العربية. منطقيّاً، لا يعقل أن تتغير الحدود الجغرافية، وتنتقل إدارتها إلى أيدٍ مختلفة لسانها غير لغة أهل الأرض، ويبقى المنطوق والبيان كأنّ شيئاً لم يكن.
القضية طريفة لمن يودّ الترويح عن الذهن في الظروف العصيبة. المسألة ظريفة لولا أن الأمّة من الأعلى إلى الأسفل، ومن تحت إلى فوق، لا تُبدي لها الأيام ما لا تعلم، ولا يأتيها بالأخبار من زوّدت ومن لم تزوّد، عن صورة الخريطة وهيئتها، كيف ستكون غداً وبعد غد الغد. الحمد لله على أنك لم تُقسم على المثقفين بألّا ينبسوا ببنت لسان خارج نطاق الثقافة. لأن عقبة الفهم الكأداء، هي أن السيناريو لا يتحدث عن اقتطاع قطعة من كعكة بلد، وتنتهي المخمصة بالخضوع أو بالفتوّة الدوليّة، ويكون قد ضاع ما ضاع، بل الأدهى تجاوز لكل القوانين الدولية والأعراف، وانتهاك صارخ لكل القيم، وذلك باقتطاع أجزاء عدّة من دول ذات سيادة عدّة. هل يقال عن هذا دعابة مثل «بلغ السيل الزبى»؟ لقد جاوز الربى والتلال والجبال. هذا تطاول على الدول والشعوب بنشر كل مرادفات الكريهة الوغى الهيجاء.
خذ ذلك على أنه استطراد خارج عن الموضوع، فأصل المحور ثقافي لغوي: كيف ستكون لغتنا العربية في مقبل السنين، بينما العرب لا يملكون أيّ خريطة طريق يمكن الاهتداء بها في غياهب المجهول؟ عندما تواجه قوةً غاشمةً أمامك، تتهدّدك وتعربد وتتوعد، فإن من عزم الأمور، ألّا تكتفي بالقول: هذا مجرّد هراء أو جنون. عدد من البلدان، خمسة أو ستة أو أكثر، تشملها نذر اقتطاع أجزاء منها، والإشارات والإرهاصات غير خافية، والمحاولات الأوّلية جارية، والعالم العربي جبل لا تهزّه النسائم ولا الرياح ولا العواصف القواصف. والمشهد لا يقوى على وصفه واصف.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: لك أن تنسى كل ذلك، وتحفظ جيّداً أن اللغة أمّة وأوطان وهوية وجغرافيا وتاريخ وحياة ووجود.
[email protected]