هل حسبتَ أنني لن أعاتبك، وقد خطر ببالك أن الثقافة العربية تُجري عمليات تصفية على ما في مخازنها، من دون أيّ مقابل؟ تخيّل هذا في التجارة، فهات برهانك إن كنت صادقاً، وهل سيصدّقك ألوف المثقفين العرب؟ إلا أنك لا تبدو مخطئاً. أنا أيضاً دغدغتني المسألة.
لنأخذ الأمور ببساطة، ونضع كل المثقفين في جلد مثقف واحد. يدخل المكتبة العربية واثق الخطوة، ويشرع افتراضيّاً في حذف كل ما أهملته الأمّة، ولم تَدْرِ ماذا تصنع به، لا بإحيائه ولا بتطويره وتنميته، وجعله بذوراً لجذور وجذوع وأغصان مورقة مزهرة مثمرة تتجلى فيها الأصالة والتجديد.
في تراثنا عالم من التصوّف مترامي الأطراف، متعدد الأصناف، فيه مذاهب صوفية فيها تيارات ونظريات شتى، وفيه أدب عرفاني ثريّ بالألوان والأساليب والرؤى. عالم فيه كنوز لم نحسن استثمارها على مرّ القرون. يجب أن نتأمّل كيف جعلت تركيا جلال الدين الرومي مورداً اقتصادياً، في السياحة والصناعات التقليدية والخطّ، والموسيقى والمهرجانات، وضريحه في قونية، مركز ثقافي كبير ومزار للسياح والمريدين من جميع أنحاء الكوكب. وا أسفا، فحتى الكثير من المثقفين لا يعرفون أن عالم العرفان تقدّمي، متطوّر ومتنوّر ومستقبلي. خذ مثلاً: نظرية الإنسان الكامل عند ابن عربي، بينما يبهرنا الألماني نيتشه بالسوبرمان. الماء كان محمولاً على ظهورنا ثمانية قرون، ونحن يقتلنا الظمأ في بيداء التجديد الفكري والانطلاق الحضاري.
يبدو أن الأسئلة الحيوية لا تومض في شعاب الأدمغة: استهانة بالثقافة أن نتوهّم أن تلك المناجم الزاخرة مهملات انتهت صلاحيتها. ثم إن التصوف الإسلامي هو ميراث كل المسلمين، هو ملكنا وحقنا وثروة من ثروات هويتنا. في اليابان والصين والهند وأوروبا وأمريكا اللاتينية، صار العرفان في تجاوب وتوازٍ ومزامنة للفلسفة وعلم النفس والفيزياء وفيزياء الكمّ والفنون. والعرب كأنهم في غنىً عن بحار الجمال والمعرفة.
سؤال: هل يدّلنا أحد، من الأدباء وواضعي المناهج، على بحث عنوانه: «كيف ندرّس الشعر الكلاسيكي سنة 2050؟» أو دراسة عن «الشعر الكلاسيكي العربي المستقبلي»؟ أو: «كيف نحوّل فنون أساليب النثر الكلاسيكي إلى تقنيات عصرية جديدة»؟ لدينا أصناف لا تحصى، شعراً ونثراً، لن تعرف الأجيال المقبلة كيف تتعامل معها، غير إهمالها، إذا لم يحلّ المقتدرون اليوم ألغازها، ويفكّوا رموزها. هاتوا اليوم واحداً، لا أكثر، من الأربعمئة مليون عربي، يقرأ بطلاقة «رسالة الغفران» ويستوعب عشرة أسطر منها.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاكتشافية: بحثت عن صاحبي، فقيل لي: كنتَ تكلّم نفسك. أفِق خفيف الظل.
تصفية ثقافيّة افتراضيّة
2 سبتمبر 2025 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
2 سبتمبر 2025 00:07 صباحًا
شارك