أليس عجيباً في هذا العصر تكاثر برامج مسابقات المواهب الغنائية، بينما لا تحظى مواهب الاختراع والاكتشاف والتفوق العلمي والتكنولوجي، ولا حتى بشمعة للظهور؟ بالمناسبة: تراجيكوميديا البحث عن الأصوات الجيدة، تُوهمنا بدعابة لاذعة، بأن عباقرة الملحنين واقفون في طوابير، أو جالسون الساق على الساق، في انتظار ضربة الحظ، ورقة يانصيب الفوز بحنجرة ذهبية، لتحلّق بالروائع التي لم تجد لها فرساناً. كساد سوق الطاقات العلمية الواعدة، في وسائط الإعلام، غير جديد.
المأساة الاجتماعية التي تغيب عن الأذهان، هي تفشّي داء القدوة السيئة، وهذه في حدّ ذاتها معول هدّام لمقومات التنمية، بل إنها من أخطر موانع التنمية الشاملة. المرض المستفحل هو أن مراكز الجاذبية التي تسحر النشء الجديد ببهارجها، ستغدو كلها خارج ملاعب التنمية، وكل ما ينفع الأوطان والأمّة. سيصبح المثل الأعلى للشبيبة هو لاعب كرة القدم، والمطربة والمطرب، ومليونيرات اللايكات. «وليس يصح في الأفهام شيء» إذا احتاج هؤلاء إلى دليل على أنهم، مع احترام مجالات جهودهم، تفصلهم سنون ضوئية عن التأثير في مصير البلدان، وفتح أبواب العصر أمامها.
أمّا استقصاء الأبعاد التربوية من حيث المسؤولية، فهو الأدهى. لا يمكن إنكار أن أخطر جوانب القدوة السيّئة يتمثل في أن التنشئة الأسرية والتربية المدرسية لم تُسلّحا الطفل بسقــوف عالية في الطموح، فكانت النتيجة سرعة الانجذاب إلى الربح السهل والشهرة. لا أحد ينكر أن أبطال كرة القدم من الطراز الأول، لهم نبوغهم الفريد، لكن النكبة التنموية والمصيرية، بالتالي بُعد الأمن القومي، هي تسخير مئات الألوف، أو حتى العشرات منها، من آمال المستقبل، في هذا السباق المحموم الذي لا تتألق فيه عادةً إلاّ القلة النادرة. الدليل الشمسي هو اللجوء إلى مشاهير اللاعبين الأجانب. النكتة الشهيرة: أن المنتخب الفرنسي يمثل إفريقيا أكثر ممّا يمثل فرنسا.
القضية ليست مفاضلةً، بل الغاية ضرورةُ الاهتمام بتكافؤ الفرص بين المواهب. ما الذي يحدث عندما يرى أهل النبوغ الواعد في الرياضيات والفيزياء، أن دكّان وجبات سريعة عليه إقبال، خير من متفوق في الفيزياء مهمّش مهمل؟ قل على التنمية السلام.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفلكية: إذا كان الواقع هكذا، فكم يفصل العالم العربي عن إنتاج العلوم؟
