هل تستطيع أن تدع جانباً شبهة الاستلاب الثقافي؟ الآن يتسنّى لنا أخذ نموذج والبناء عليه. لقد وقع الاختيار، لا بعشوائية مطلقة، ولا بانتقائية مقصودة، على إذاعة «فرنسا الثقافية». بالمناسبة، المفارقة فاقعة، فعند التحقيق والفحص الدقيق، تجد أن فرنسا تقلّدت وشاح الريادة الثقافية في أوروبا، بطريقة فهلوية «أونطجيّة». وإلّا فليس في القارّة العجوز بلد يجاوز ألمانيا في الفلسفة وفلسفة التاريخ، أو يطاولها هي والنمسا في الموسيقى السيمفونية والبحث العلمي الموسيقولوجي. أمّا في العلوم، الرياضيات والفيزياء، تحديداً، فالألمان في المقدمة. بريطانيا لها باع طويل ومتقدم في التعليم الجامعي (أوكسفورد ثم كمبريدج، تسعة قرون، وثمانية على التوالي)، ودراسات العلوم الإنسانية. باريس كانت الحديقة العالمية للنباتات الثقافية.
ذلك تغريد خارج سرب الموضوع، فالمحور هو ضرورة إعادة النظر إلى الإعلام الثقافي في العالم العربي، الذي لا يزال يغلب على بعضه طابع ثقافة التجميع، وهو نهج تقليدي قديم (صبح الأعشى، العقد الفريد، محاضرات الأدباء..). لكن التجديد يجب أن يتعدّى ذلك إلى غياب الشمولية الثقافية. كيف تكتمل الثقافة إذا حصرناها في الآداب والفنون؟ الآداب والفنون ثقافة، لكنها ليست كل الثقافة. صدق علماء الأحياء: «الحياة كيمياء، لكن الكيمياء ليست كلّ الحياة».
كيف تغيب العلوم عن ساحة الإعلام الثقافي؟ ما من خطوة على طريق العلم والتكنولوجيا، إلّا وتطرح قضايا فكرية وفلسفية، وأخلاقيةً متعلقةً بمنظومة القيم، في البيولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلوم العصبية. الإذاعة المذكورة تخصص يوميّاً مجالاً لطرح تلك المسائل وربطها بالآثار في الحاضر، والانعكاسات على المستقبل في الميادين ذات العلاقة. كل ذلك يبحثه ويحلّله أهل الاختصاص. ما هو أكثر جلباً للانتباه، أن القضايا السياسية الفرنسية والدولية تحظى بمكانة مميّزة في إذاعتهم، فهي عندهم في صميم قضايا الساعة الثقافية. يقيناً، يحتاج المثقف العربي إلى إعادة تدوير الدماغ، إذا قرأ في ملحق ثقافي، مقالاً يحلل قصف ستة بلدان عربية في ظرف اثنتين وسبعين ساعةً، بين عاصمتين منها قرابة خمسة آلاف كيلومتر. المنطق لا يخلو من دعابة الاستدلال، وسخرية الحجّة والبيّنة، فلدى العقل الذي تربّى على حدود ثابتة لمفهوم الثقافة، البراهين جليّة: ذلك الحادث، مهما يكن جللاً، فإنه لا علاقة له بالوقوف على الأطلال، حتى ولو باتت دول تداعي أحجار الدومينو أطلالاً، ولا بالسيّاب، حتى ولو أمسى في العراق جوع، وفي غزّة جوع وفي السودان جوع.
لزوم ما يلزم: النتيجة الغرائبية: مجموع المثقفين العرب لا يقلّ عن المليون. منذ مطلع القرن، لم نشهد لهم تيارات ريادية بارزة، في قضايا الأمّة المصيرية.
تجديد مفهوم الإعلام الثقافي
16 سبتمبر 2025 00:22 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 سبتمبر 2025 00:22 صباحًا
شارك