محمود حسونة

ساذج من يصدق أن إسرائيل تريد سلاماً، وواهم من يتخيل أنها تنشد أماناً، أو تستهدف استقراراً، ومخطئ من يقتنع بأنها تحارب بهدف تحرير مختطفيها. السلام لم يكن يوماً هدفاً إسرائيلياً ولكنه كان دوماً وسيلة لتضليل العالم وإقناع الحكومات والشعوب تزييفاً بأنها دولة سلام تنشد الأمن لمواطنيها. تصريحات مسؤولين إسرائيليين عن السلام قبل الحرب الطاحنة على غزة لم تكن سوى للاستهلاك الدبلوماسي، وبعد الحرب نضح الإناء الإسرائيلي بكل الروائح الكريهة التي تؤكد عدم النية في منح هذه المنطقة فرصة العيش في سلام.
كشفت تصريحات حكومة التطرف نوايا التوسع وتكريس العنف ونشر الكراهية في المنطقة. وفي المقابل مدت عدة دول عربية أياديها للسلام، ووقعت بعضها بالفعل اتفاقيات مع تل أبيب أملاً في سلام دائم وعادل يضمن الأمان لإسرائيل وحق تقرير المصير الفلسطيني، كانت البداية من مصر عبر اتفاقية كامب ديفيد ثم وادي عربة مع الأردن ثم أوسلو مع السلطة الفلسطينية، ثم الموافقة العربية الجامعة على المبادرة العربية للسلام عام 2002 التي رفضتها إسرائيل، ثم الاتفاقيات الإبراهيمية، بجانب أن دولاً عربية فتحت خطوط تواصل وتعاون مع إسرائيل رغم أنها لم توقع اتفاقيات سلام معها، وهو ما يعكس حسن النوايا العربية والرغبة المؤكدة في تحقيق السلام.
إسرائيل خدعت العالم كله بكلامها المعسول عن السلام وادعاءاتها الموافقة على حل الدولتين الذي نال إجماعاً دولياً، وتعهدت به في جميع اتفاقيات السلام الموقعة، ولكنها نقضت تعهداتها وحاربت حل الدولتين بكل الوسائل الممكنة حتى كشف نتنياهو وحكومته المتطرفة عن نواياهم مؤخراً بعدم القبول ولا السماح بإقامة دولة فلسطينية، والإعلان الفج عن الرغبة في التهام كل الأرض الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين قسرياً حتى لو ادعوا بأن بعض الفلسطينيين يقبلون الهجرة طوعياً.
حرب غزة كشفت كل المستور وأصبح اللعب على المكشوف. إسرائيل لم تحارب حماس في غزة رداً فقط على «طوفان الأقصى»، ولم تدخل لبنان رداً فقط على إسناد حزب الله لغزة، ولم تقصف في اليمن رداً فقط على صواريخ ومسيرات وضربات الحوثيين الملاحية، ولم تقصف إيران رداً فقط على دعمها للميليشيات الداعمة لغزة، ولكنها حاربت كل هؤلاء وغيرهم رغبة في إشعال المنطقة وفرض نفسها كقوة وحيدة تتحكم في مصائر دول وشعوب الجوار وما بعد الجوار. لم تفرق بين من تحرشوا بها ومن سعوا للتهدئة وإيقاف الحرب. هاجمت سوريا مراراً وهي تتفاوض معها على السلام، واخترقت لبنان واستحوذت على جوه وبحره بعد توقيعها اتفاق سلام معه في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي وتجاوز عدد الاختراقات 4000 مرة.
لعله أصبح معلوماً للجميع أن إسرائيل لا تلتزم باتفاق وتنقض العهود ولا تحترم الوعود، نقضت كل اتفاقيات السلام. ضرب الدوحة صدمة كبرى للجميع، وكأنه عقاب لها على مساعيها الدؤوبة على مدار عامين لوقف الحرب. قطر لم تتخذ قراراً باستضافة قادة حماس إلا بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية وإسرائيل، ولم توفر جهداً لوقف الحرب إلا وبذلته، وساهمت مع مصر والولايات المتحدة في التوصل إلى هدنتين. الدبلوماسية القطرية والوسيط المصري قاما بجولات مكوكية بين عواصم مختلفة للتوصل إلى تسوية وتهدئة، واستضافت كل من الدوحة والقاهرة وفوداً فلسطينية وإسرائيلية وقدمت كل منهما مبادرات وحلولاً، وكانت النتيجة ضرب الدوحة والاعتداء على السيادة القطرية وتضليل الرادارات وقتل مواطن ومقيمين على أراضيها، والغريب أن مرتكب هذه الجريمة لم يعتذر عنها بل هدد بتكرارها على أرض قطر وعلى غيرها من الأراضي العربية وغير العربية التي تفكر في استضافة «حمساوياً».
الهمجية الإسرائيلية سعت بكل السبل لاستفزاز مصر وهي أيضاً وسيط رئيسي، ابتداءً من المطالبة بتهجير أهل غزة إليها ومروراً باحتلال محور صلاح الدين والجانب الفلسطيني من معبر رفح ودعم تنظيم مظاهرات ضد مصر في تل أبيب وأمام سفارات مصرية بالخارج والتهديد بإلغاء صفقة الغاز والمطالبة بفتح معبر رفح أمام الفارين من القصف الإسرائيلي وعرقلة إدخال المساعدات. لولا الحكمة المصرية ورغبة قيادتها في تفويت الفرصة أمام إسرائيل والعمل على الحد من جموح حكومتها لتوسعت الحرب ودخلت فيها أطراف إقليمية وامتدّت آثارها إلى كامل المنطقة.
إسرائيل تدعي في حربها الوحشية على غزة بأنها دفاع عن النفس ولا تسمح للآخرين بالدفاع عن أنفسهم، تستبيح اختراق سيادة دول المنطقة ولا تقبل باختراق سيادتها، حجتها عشرات المخطوفين في حين أنها قتلت 65 ألف فلسطيني وتطارد الأحياء من موقع لآخر بالصواريخ والمسيرات والدبابات لإجبارهم على الهجرة، تتفاوض مع قادة حماس وتستهدفهم في قلب الدوحة، تقبل بوساطة قطر وتعتدي على عاصمتها، تقتل المدنيين والإعلاميين والمسعفين باسم محاربة الإرهاب وهي تمارس الإرهاب والترهيب على كل من يختلف معها.
اصطف زعماء العالم العربي والإسلامي ضد الإرهاب الإسرائيلي في قمة الدوحة مجمعين على ضرورة التصدي لجموحها وطموحها التوسعي ومدركين أنها تعمل لزعزعة الاستقرار في المنطقة وواعين أنها لا تريد سلاماً ولا تعمل لأجله، وأن اعتداءها على قطر هو اعتداء على كل بلد عربي وإسلامي، موقف يحمل الكثير من الرسائل لإسرائيل وداعميها، ولكن إسرائيل تصر على التحدي وبدلاً من مراجعة الموقف اجتاحت مدينة غزة. الرسالة لم ولن تصل وإسرائيل بالدعم الأمريكي لها لم ولن تسعى إلى السلام.

[email protected]