في زمن ما قبل الشاشات، كان للحياء مكانة أكثر وضوحاً وأكبر في حياة الناس، لدرجة أنك تلاحظه في طريقة الحديث، في حدود التعامل، وفي احترام خصوصية الآخرين، وكأنه بمثابة سياج داخلي يحفظ للإنسان كرامته، ويحفظ للعلاقات الاجتماعية توازنها.
أما اليوم، وفي زمن الانفتاح الرقمي، الذي يشجع بعضهم على نشر خصوصياتهم، لحصد بعض الإعجابات، أو سماع أو مشاهدة الألفاظ البذيئة أو المؤذية عند استخدام مسمّى وهمي، بات سياج الحياء يتآكل شيئاً فشيئاً، حتى أصبح بعضهم يعتبره عائقاً أمام الحرية، أو أنه من ضمن تقاليد قديمة لا مكان لها في عصر التقنيات الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي كانت ساحة بارزة لهذا التحول، صور تنشر بلا حدود، تفاصيل شخصية تعرض أمام الجميع، حياة خاصة تراها في مقاطع يشاركها الناس طواعية، ما كان في الماضي يعتبر سراً عائلياً أو شأناً خاصاً، صار اليوم لدى بعضهم مادة عامة للنقاش والتداول. ومع تكرار هذا السلوك، تنامى عند بعضهم الإحساس بأن الخصوصية لا معنى لها، والحاجز النفسي الذي كان يحميهم من الإفراط في كشف الخصوصيات قد تلاشى.
الأخطر أن غياب الحياء لم يكن في مواقع التواصل وحسب، بل انتقل إلى الواقع الفعلي. على سبيل المثال، قد تلاحظ أن الحوارات والنقاشات، وتبادل الأفكار، التي كانت تدار باحترام، تحولت إلى ساحة جدال قاسٍ، تسمع الكلمات الجارحة تقال علناً بلا تحفظ، والمشاعر تعرض أمام الغرباء وكأنها سلعة. هذه السلوكيات القاسية، عند انتشارها على نطاق واسع، قد تسهم في جعل المجتمعات أقل رقياً ورحمة ومودة.
والسؤال: هل الحياء يعني الانغلاق أو كبت الذات؟ بالطبع لا، الحياء ليس قيداً على الحرية، بل إطار يحفظها من الفوضى، إنه قدرة على التمييز بين ما يقال وما يصمت عنه، بين ما يشارك وما يحتفظ به للنفس، إنه توازن دقيق بين الصراحة والخصوصية، بين الانفتاح والاحترام.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس عودة كاملة إلى الماضي، فلكل زمان أحداثه وتغيراته، لكن ما يجب علينا هو صياغة جديدة للحياء تتناسب مع عصرنا، أن نعلّم أبناءنا أن الجرأة لا تعني إظهار كل شيء أمام الجمهور، وأن المشاركة لا تعني إلغاء الحدود، أن نغرس فيهم أن قيمة الإنسان ليست في عدد المتابعين ولا في جرأته على كشف كل شيء، بل في حكمته في أن يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يشارك ومتى يحتفظ به لنفسه.
الحياء ليس ضعفاً، بل مبادئ أساسية تجعل المجتمعات أكثر رقياً واحتراماً.
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com
فهم الحياء والحاجة إليه
21 سبتمبر 2025 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
21 سبتمبر 2025 00:04 صباحًا
شارك