كل أب وأم تجد لديهما هاجساً من الحماية المستمرة تجاه أبنائهما، إنها غريزة عميقة في الوجدان، وتعتبر من الأكثر عمقاً ونبلاً وإنسانية، حيث يعملان على تجنيبهم الصعاب والعقبات، وحمايتهم من مواجهة التحديات، ومنعهم من خوض التجارب الحياتية التي قد تضطرهم للتعامل مع الآخرين ومواجهة بعض القسوة عند التعامل، من الصد أو الرفض أو حتى الإخفاق.
الآباء والأمهات ينطلقون من خبرات حياتية واسعة وتجارب سابقة، وخلال مسيرتهم واجهوا الخيبة وعاشوا ألم التعثر وذاقوا طعم الخسارة، وبسبب حبهم الفطري العميق، يكون هاجسهم الحماية لأطفالهم، ومحاولة تجنيبهم أي مطب من مطبات الحياة، ومن هنا تتحول الحماية إلى رعاية خانقة ورقابة لصيقة، وتدخل في كل تفاصيل حياة أبنائهم سواء أكانوا أطفالاً أو يافعين أو أكبر سناً، وتتحول بشكل تدريجي مظلة الأمان، ومظلة الرعاية، إلى قفص يربك نمو الابنة أو الابن، ويسبب خدوشاً جسيمة في شخصيتهما.
العلماء والتربويون توقفوا كثيراً أمام مثل هذا النوع من الرعاية الخانقة، والحماية المبالغ فيها، وفي علم النفس التربوي تحديداً، قدمت الكثير من البحوث والدراسات التي تناولت هذا الجانب، بل إنه تم إطلاق مصطلح لتشخيص هذه الحالة سمي «الوالدية المروحية» أو «التربية المروحية»، «Helicopter Parenting»، وهي تشير إلى الأمهات والآباء الذين يحومون مثل طائرة الهليكوبتر فوق رؤوس أبنائهم طوال الوقت، ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بحاضرهم ومستقبلهم، فتجدهم يتدخلون في اختيارهم الأصدقاء، وتجدهم يتدخلون في حل الخلافات التي تنشأ بشكل عفوي بينهم وبين أقرانهم، بل يراجعون دروسهم ويحلون واجباتهم، وماذا يأكلون ومتى، وما هي أنسب رياضة، وتستمر مثل هذه التدخلات في مختلف المراحل العمرية، دون حدود أو معرفة لاحتياج هذه السن للاستقلال أو للشعور بالإنجاز، أو حاجة هذه السن للتجربة والتفكير باستقلال، أو مراعاة سن المراهقة، أو ما بعدها. دون شك أن الأمهات أو الآباء الذين ينخرطون في مثل هذا النوع من الرعاية تجاه أبنائهم، يهدفون بتفان وإخلاص وحب لحمايتهم وتوجيههم نحو أفضل وأجمل طرق الحياة، لكن عند المراجعة العلمية من الجانب التربوي والسلوكي، نجدها ممارسة مدمرة للأبناء، وقد تؤدي إلى ما أسماه علماء التربية بالهشاشة النفسية المكتسبة، وهو ما لا يريد أي أب أو أم أن يحدث لابنه.
نعم لرعاية الأبناء وحمايتهم، لكن مع منحهم مساحة للتحرك والتفكير والقرار. نقترب منهم ونشاركهم الرأي وخبراتنا، ونترك لهم مجالاً للاختيار والتفكير ومعالجة همومهم. نقترب منهم وفي اللحظة نفسها نترك لهم مساحتهم الخاصة.
