هناك أمور نؤجل التعامل معها ونحن نعرف أنها ستبقى عالقة. نتركها أملاً أن يصبح الاقتراب منها أسهل في وقت آخر عندما نكون أكثر استعداداً، وقد نمضي في حياتنا بصورة طبيعية، لكن يبقى في الذهن شيء عالق يستدعي انتباهنا كلما تذكرناه. ومع مرور الوقت، قد نشعر بأن الأمر ازداد صعوبة، رغم أن المشكلة لم يتغير حجمها فعلياً.
حين نتجنب مشكلة ما، قد نترك للخيال مساحة واسعة حولها. نفكر في ردود الفعل المحتملة، وفي النتائج التي نخشاها، ونستعيد الاحتمالات نفسها مرات كثيرة. وهكذا يضاف إلى صعوبة الموقف تعب الانتظار وكثرة التفكير، حتى نصل إلى مرحلة تصبح فيها بعض المشاكل العادية أزمات تكبر مع الوقت.
في روايته القصيرة «الإعصار»، يروي الكاتب جوزيف كونراد قصة سفينة تواجه عاصفة بحرية عنيفة، وخلال محاولات عبورها، يقول الربان ماكوير: «مواجهة الأمر.. دائماً مواجهته.. هذه هي الطريقة للعبور»، ورغم أن هذه الجملة جاءت في معنى العاصفة، إلا أنها صارت اقتباساً يستشهد به في أهمية مواجهة المشاكل وليس الهروب منها، وأن هذا هو الحل الصحيح.
تبدأ المواجهة بأن نحدد ما الذي نتجنبه بالضبط، فبمجرد معرفتك هذا الموضع ستعرف من أين تبدأ، يساعدنا هذا التحديد على فهم ما يحدث، عوضاً عن الشعور المبهم بأن أمامنا مشكلة كبيرة. وقد نكتشف عند البدء أن الحل يحتاج إلى أكثر من محاولة، أو أن بعض النتائج لن تكون كما نريد. مع ذلك، تمنحنا المواجهة معرفةً لم يكن الانتظار يمنحنا إياها. نعرف أين نقف، وما المتاح لنا، وما الذي نحتاج فيه إلى مساعدة. ويصبح جهدنا موجهاً إلى شيء محدد، بعدما كان موزعاً بين توقعات كثيرة لا نستطيع التأكد منها.
من حقنا أن نأخذ وقتاً للفهم والاستعداد، وأن نختار الأسلوب والوقت المناسبين، لكن من المفيد أن ننتبه إلى اللحظة التي يتحول فيها الاستعداد إلى تأجيل يتكرر دون غاية. رهبة البداية تصبح أقل وتختفي حتى حينما نبدأ وندرك ما نواجه. ولعل أول ما نستعيده بعد المواجهة هو ذلك الجزء من انتباهنا الذي ظل مشغولاً بالانتظار والقلق، فنجد مساحة لنفكر فيما يمكن بناؤه، ونجد مساحة للنظر نحو الأمام والتخلص من قيود التأجيل.
