في اللقاءات الأولى عادة ما يكون السؤال الأشهر، الذي نسمعه: «ماذا تعمل؟» وكأن وظيفة الإنسان أصبحت بطاقة هويته الأولى، المفتاح الذي يعرّف به نفسه للآخرين، فإذا قلت «طبيب» أو «مهندس» أو «مدير» يتشكل في أذهان الناس تصور كامل عنك، حتى قبل أن يعرفوا قصتك، شغفك، أو ما تحب.
لقد تسلل العمل ليحتل مركز حياتنا، لا بوصفه وسيلة للعيش فقط، بل كأنه معيار لقيمتنا، يقاس الإنسان بمرتبته الوظيفية، لا بإنسانيته، يحتفى بمن يعمل لساعات طويلة وكأنه بطولة، بينما ينظر إلى من يوازن وقته مع أسرته أو هواياته وكأنه أقل طموحاً. الغريب في الأمر أن هذا التصور حتى لو منحنا شعوراً مؤقتاً بالإنجاز والانتماء، يسرق جوانب كثيرة، فالشخص الذي يذوب في وظيفته يفقد تدريجياً علاقته بجوانب أخرى من نفسه: الفنان بداخله، القارئ الفضولي، الصديق الوفي، أو حتى الإنسان البسيط الذي يحتاج إلى وقت صامت مع ذاته، وعندما تتغير الظروف، بفقدان وظيفة أو تقاعد مبكر مثلاً، يجد كثيرون أنفسهم أمام فراغ هائل، كأنهم فقدوا هويتهم كلها، وكأنهم فقدوا الجوهر من حياتهم، وهذا ما يجعل البعض يعاني الانزواء، أو حتى يدخل في موجة من الاكتئاب والفراغ.
المشكلة ليست في حب العمل أو السعي إلى النجاح، فهذا أمر مهم ومفيد جداً، لكن المشكلة تكمن في تحويل العمل إلى هوية الشخص، فالإنسان ليس «مسمى وظيفياً»، بل هو كائن متعدد الطبقات، وما يمنحنا المعنى في الحياة ليس فقط ما ننجزه في المكتب، بل أيضاً ما نزرعه في قلوب من حولنا، وما نعيشه من تجارب تشكل هويتنا.
يجب أن نمنح أنفسنا الحق في أن نكون أكثر من موظفين، أن نتعلم لغة جديدة، أو أن نمارس فناً نحبه، أن نخصص وقتاً للعائلة، أو للتطوع، هذه الأنشطة لا تستهلك من وقتنا فقط، بل تعيد إلينا شيئاً من المشاعر الإنسانية الأساسية مثل الانتماء والعلاقات الاجتماعية والشعور بالألفة.
على مستوى المجتمع أيضاً، نحن بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح وأن نتوقف عن ربط قيمته فقط بالراتب أو المسمى، وأن نحتفي بالإنسان الذي يعرف كيف يوازن، ويعيش حياة غنية بالتجارب والعلاقات لا غنية فقط بالأرقام.
ليكن العمل فصلاً من قصة حياتنا، لا القصة كلها، فالعمل يملأ ساعاتنا، نعم، لكنه لا يملأ قلوبنا، وإذا تركنا هويتنا تختصر فيه، نخسر أعمق ما يجعلنا بشراً، أن نكون أكثر من وظيفة، وأكثر من لقب، أن نكون أنفسنا أولاً.