في مطعم مزدحم، بينما تقلب قائمة الطعام بين يديك وتجد نفسك أمام عشرات الأطباق والصور المغرية، تمر دقائق طويلة وأنت تتأمل وتفاضل، حتى يتحول قرار بسيط مثل «ماذا سوف آكل؟» إلى تحدٍ كبير، الغريب أيضاً أنك حين تختار أخيراً، يظل جزء منك يتساءل: هل كان الطبق الآخر أفضل؟

هكذا تبدو حياتنا اليوم في كثير من الأحيان، وفرة الخيارات التي كان يفترض أن تمنحنا حرية أكبر، تكون في بعض الأحيان عبئاً إضافياً في الترفيه. على سبيل المثال، نفتح منصات البث ونقضي وقتاً أطول في البحث عما سنشاهده من الوقت الذي نقضيه فعلًا في المشاهدة، وفي العمل أيضاً، يقف جيل كامل أمام عشرات المسارات والوظائف الممكنة، لكن بدل أن يمنحه ذلك يقيناً، يزرع داخله قلقاً دائماً من أنه ربما يسير في الطريق الخطأ وربما كان من المفترض أن يتجه إلى مجال آخر.

حين تتجاوز البدائل حداً ما، يفقد الإنسان متعة الحرية، ويغرق في دوامة القلق والتردد، فالعقل ليس آلة قادرة على تقييم عشرات الاحتمالات دفعة واحدة، بل يحتاج إلى بساطة ووضوح ليشعر بالراحة، ومع كثرة الخيارات تتزايد احتمالات الندم، ويكبر ظل السؤال الذي يطاردنا: هل كان يمكن أن أكون أسعد لو اخترت غير ما اخترت؟

هل الحل أن نقلص حياتنا إلى خيار واحد لا يتغير؟ بالطبع لا، فالحرية نعمة، لكنها تحتاج إلى وعي، أن نعرف ما نريد قبل أن نتعرض لشيء ما، أن نضع لأنفسنا حدوداً واضحة فلا نغرق في بحر لا شاطئ له، وأن نتعلم فن «الاختيار الكافي» وليس المثالي، لأننا يجب أن نقتنع بعدم وجود المثالية، وأن نقبل بأن القرار الجيد أفضل من الانتظار الأبدي لقرار كامل.

علينا أن نعيد تعريف الحرية نفسها، فهي ليست في كثرة ما يعرض علينا، بل في هدوء قدرتنا على أن نختار ونرضى، فالمجتمع الذي يقيس الحرية بعدد البدائل فقط، قد يستيقظ ليجد أنه غرق في وفرة مسمومة، سرقت منه راحته بدل أن تمنحه إياها. الحياة ليست سباقاً لاختيار الأفضل دائماً، بل رحلة لإيجاد ما يكفي ليجعلنا نعيش بسلام وهدوء.

[email protected]

www.shaimaalmarzooqi.com