كم مرة قال أحدنا لنفسه: «حين أنتهي من الدراسة سأبدأ حياتي الحقيقية»، أو «بعد أن أجد وظيفة مناسبة سأرتاح»، أو «حين أشتري البيت الذي أحلم به سأعيش كما يجب»؟ نعيش وكأن أيامنا الحالية مجرد مسودة، نسخة تجريبية نعدلها ونؤجلها، بانتظار النسخة النهائية التي ستبدأ لاحقاً، لكن عندما تفكر بمحطاتك تجد أن تلك «النسخة النهائية» لا تأتي أبداً.
يتملك بعض الناس الشعور أن ما يفعله الآن ليس جوهر الحياة، بل مجرد إعداد لحياة قادمة، هذا الوهم يجعلنا نؤجل الفرح، نؤجل الشجاعة، نؤجل التعبير عن الحب، لأننا نظن أن اللحظة الأهم لم تأتِ بعد، فننغمس في التحضير المستمر، حتى نصحو لنجد أننا قضينا أجمل سنواتنا نكتب هوامش في هذه المسودة.
المحيطون بنا بدورهم يعززون هذا الشعور، الطفل يقال له «اصبر حتى تكبر»، والشاب يقال له «انتظر حتى تستقر»، والبالغ يقال له «كل هذا مقدمة لتقاعد مريح»، هكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من الانتظارات، نطارد المستقبل ونهمّش الحاضر.
لكن الحقيقة البسيطة، إذا تأملنا الأمر، أن الحياة ليست «بروفة»، وليست مشروعاً، الحياة تحدث الآن، في اللحظة التي نقرأ فيها هذه الكلمات، في كوب الشاي الذي يبرد بجانبك، في الضحكة العفوية التي تضحكها، كل ما نؤجله هو لحظات عبرت، وكل مسودة نعيشها هي في الواقع النص نفسه.
التحرر من وهم المسودة يبدأ بالوعي، عندما نعامل اللحظة الجارية كشيء كامل، ليس كوسيلة لشيء آخر، وعندما نسمح لأنفسنا بالفرح الآن، ليس حين «يصبح كل شيء مثالياً ويصبح الوضع مواتياً»، وعندما نقول الكلمات التي نخاف تأجيلها، وعندما نرى في تفاصيل اليوم العادي: وجبة بسيطة، نزهة قصيرة، حديثاً مع صديقة، حياة كاملة تستحق أن تعاش.
ليس المطلوب أن نهمل المستقبل أو أن نتوقف عن التخطيط وليس هذا ما أدعو له، بل المعنى أن نتذكر أن الخطط لا معنى لها إن لم نمنح الحاضر قيمته، وأن نتعامل مع كل يوم كصفحة رئيسية وكل يوم هو يوم مهم، وكل ثانية في حياتك هي لحظة مهمة، لا تقل أهمية عن السنوات المقبلة.
أهم ما يمكن أن ندركه هو أن المسودة التي نكتبها اليوم قد تكون النص الوحيد الذي سيبقى، لذلك فلنعشه بصدق وامتلاء.
الحياة ليست مسودة، إنها النص نفسه، وهذا النص لن يتسنى لك أن تعيد طباعته مرة أخرى.
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com