لعلّك من أولئك القرّاء الذوّاقة الذين تشغفهم تلك النصوص المكتوبة بهدوء وذوق أيضاً حول ظواهر معاشة يومية من مثل:الحنين، الصمت، الحب، البكاء، الحزن، الفقدان، وإلى آخره من هذا الفيض الوجودي والوجداني الذي يحيط بك، وتعيشه، وتتعايش معه، ثم بالتدريج، تكتشف أن الثقافة ما هي سوى ظواهر اجتماعية أو تاريخية، أو حتى بيئية هي جزء منك، وأنت جزء منها، وما عليك، سوى أن تتأمل، وتجلس، وتكتب.
جلست وكتبت عن العطر، وما يُشتق من هذه المادة الشمّية من أفكار متتالية: الرائحة، العطارة والعطّارين، عطر المرأة، عطر الرجل، عطر النهار وعطر الليل، عطر الوردة وعطر المرأة، عطر الشجرة، وعطر الحجارة. هل للحجر عطر؟ نعم، له عطره السرّي الأبدي، وله لغته، ووحدته، وعزلته.
أقرأ فريد الدين العطّار، لأعرف أن الغزال، هذا الكائن الأنيق الرشيق هو أقدم عطار قبل أن يصطاده الإنسان، ويذبحه، ويأكله. جاء في كتاب فريد الدين العطار «أن الغزال يمضي مدة أربعين يوماً كاملة، لا يأكل تبناً ولا شوكاً، بل يتناول الورد الطيّب الشذى مرة أو مرّتين، وعندما يمضي هذه الأربعينية في طُهْر، ينهض وقت السّحر، ويتنفس نسيم الصباح، ويبتلع تلك الأنفاس داخله فوراً، فتسري تلك الأنفاس مع دماء روحه، وتتكوّن داخل سرّته نافجة مسكية، ومن تلك الأنفاس يظهر المسك».
فريد الدين عطّار ابن عطّار، ولكن لأنه بعد المهنة أصبح صوفياً فقد حوّل صناعة الغزال للمسك إلى نصّ أدبي، يقول: «من يعلم في العالم بأسره ما يشبه تلك الأنفاس، التي يتحوّل منها الدم إلى مسك في لحظة واحدة، لأن الدم يتحوّل إلى مسك من النفس الطاهر». (فريد الدين العطار، إلهي نامة، ترجمة: الدكتورة ملكة علي التركي).
ولا تدري أنت إذْ تقرأ هذا النص، لماذا تلتقط فكرة الطهر هذه في صناعة العطر، وتربطها، أو تحيلها إلى صناعة الشعر. ترى، أليست كتابة الشعر، أو الكتابة عموماً، هي شكلاً من أشكال التطهّر؟ ثم، أليس هذا الحيوان الجميل الذي اسمه الغزال، والذي يصوم أربعين يوماً عن ساقط الطعام مثل التبن والشوك، ولا يتناول خلالها إلا الورد، وبهذا الرقي والنعومة، هو شاعر؟ لا نتأمّل ما حولنا بشكل دقيق وجيد نحن البشر الامتيازيين بالقوّة، والثياب، والمال، والغرور، لكي نعرف، مثلاً، أن الحمامة الهشّة الرقيقة علّمتنا الطيران، وأن السمكة الانسيابية الخفيفة التي نأكلها أيضاً في نهاية المطاف كالحمامة والغزال هي التي كانت وراء فكرة الغوّاصة الحربية في أعماق البحار، وأن النحلة أستاذة تقطير العسل، علّمتنا أوّل فكرة حول الطيران الطويل.
اهدأ قليلاً أخي أيها الإنسان، وانزع عنك صولجان غرورك.
[email protected]