عندما ندخل بيتاً للمرة الأولى، تلفت انتباهنا تفاصيل كثيرة، الأثاث، الألوان، الصور المعلقة على الجدران، لكن ما يترك أثراً كبيراً في الذاكرة ليس حجم الأرائك ولا فخامة الديكور، بل رفوف الكتب، بيت فيه كتب يقول إن المعرفة ليست زائراً للمنزل فقط، بل رفيق حياة، إن هذه الكتب تعطيك انطباعاً عن أصحاب هذا المنزل وتقديرهم للمعرفة، أما البيوت الخالية من الكتب، فتبدو وكأنها مكتملة من الخارج، لكنها تفتقد قلباً نابضاً في الداخل.
لقد تراجعت مكانة الكتاب في كثير من بيوتنا، اعتدنا أن نملأ الغرف بالشاشات، ونشتري أحدث الأجهزة، لكننا ننسى أن نترك مكاناً لرف صغير يضم كتباً، حتى صارت الثقافة والمعرفة، ضيفاً خفيفاً، نحضره عند الحاجة أو عند الدراسة، لكنه لا يعيش معنا يومياً كما كانت تفعل في بيوت آبائنا وأجدادنا، حين كانت المكتبة المنزلية جزءاً من هوية العائلة.
إن غياب الكتاب لا يعني فقط نقصاً في المعرفة أو الثقافة، بل يغير علاقتنا بالزمن ذاته، فالكتاب يدعونا للتأمل، للتوقف، وللتفكير العميق، بينما حياة بلا كتب تصبح أسرع وأكثر سطحية، أطفال يكبرون من دون رؤية كتب في بيوتهم، يكبرون أيضاً بلا عادة القراءة، فيتعلمون أن الثقافة شيء خارجي، يطلب في المدرسة ولا يعيشه في البيت.
لكن الأمر لا يقتصر على الأطفال، نحن الكبار أيضاً نخسر الكثير حين نعيش بلا كتب حولنا، نخسر الحوار الصامت مع عقول مختلفة، نخسر الجسر الذي يربطنا بتاريخ الإنسانية، نخسر فرصة أن نرى العالم من زوايا غير زاويتنا الضيقة. الكتاب ليس مجرد ورق، بل نافذة تسمح لنا أن نكون أكثر من أنفسنا.
الأمر لا يحتاج إلى مكتبة ضخمة، ولا إلى مئات العناوين، يكفي أن يكون في كل بيت رف صغير، تضاف إليه كتب على مهل، كتاب كل شهر أو حتى كل موسم، يكفي أن يقرأ الوالدان أمام أبنائهما لتترسخ العادة في الذاكرة، يكفي أن نجعل الكتاب حاضراً في تفاصيل يومنا كما نفعل مع الهاتف أو التلفاز.
البيوت التي تخلو من الكتب قد تبدو أنيقة، لكنها تخسر شيئاً لا يعوّض، هي روح المعرفة. وربما حان الوقت أن نعيد للكتاب مكانه، لا كديكور في زاوية، بل كصديق يومي، لأن بيتاً بلا كتب هو بيت بلا نوافذ، مهما كانت جدرانه جميلة.
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com
بيوت بلا كتب
27 سبتمبر 2025 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 سبتمبر 2025 00:06 صباحًا
شارك