هل آن أوان الاعتراف بأن التنميات المتعثرة العربية، ظلت منذ عقود مديدة، تحصد العواصف التي زرعت بنفسها رياحها، كلّيّاً أو جزئيّاً؟ للأسف، كانت مطامح أنظمة طبائع الاستبداد أطماعاً صغيرةً، تلوح لها كبيرةً، معذرةً، مثلما تلوح الحصاة في سراب السباخ المترامية، جلمودَ صخر بالأبعاد الثلاثية. بتعبير المتنبي «وتكبر في عين الصغير صغارُها».
لقد مرّ على بداية القرن التاسع عشر أكثر من قرنين، من الحملات وضروب الاحتلال. لا بارك الله في باب استفعل في الصرف، الذي أخذوا منه الاستعمار، لجعل أمخاخنا تهلوس بالإعمار. هل من العرب شريك جرم في هذه الجناية اللغويّة والصرفية؟ فالترجمة فخ لا يقل عن أحبولة إسقاط أل التعريف في «أراضٍ محتلة» في القرار 242. قرار سحيق حقّاً، جعل العرب جميعاً لا يقرّ لهم قرار سنين مريرةً مرّة. ثم قيل لهم: «اهبطوا من الغيوم، فقد انتهى الحلم».
عقود ثمانية تبخّرت، والقانون الدولي المتبخّر هو الآخر، لا يحمي الذين تجاوز ذكاؤهم الحدّ. المسائل كلها في الشرق الأوسط، وأنتم كنتم تبحثون عن الحلول في أوسلو ومدريد، يقول المثل الفرنسي: «فلان يبني قصوراً في إسبانيا»، فعقارب الساعة لن تعيد الماضي، فلا رجعت ولا رجع الزمان. إنّما درس الدروس وعبرة العبر، أن الأمّة أدركت، إن شاء الله أدركت، أن تلك الغيلان التي تنقل البلدان، في تلاعب بالألفاظ، من أوهام إعادة الإعمار، إلى يقين إعادة الاستعمار، إنما رأسمالها الاستراتيجي هو إغلاق كل أبواب اكتساب العلم والمعرفة والتكنولوجيا.
هل يشك عاقل أو متعاقل في هذه المعاقل؟ الغاية أن تُغرّز البلدان الضحيّة في وحول الأمّيّة والفتن التناحريّة، ويظل الآخرون يرفلون في حلل الفيزياء والذكاء الاصطناعي. لكن، من محاسن المصادفات، أن كل لحظة تتسنّى فيها الحركة ذات البركة، والهبّة الواعية، إنما هي فرصة تاريخيّة. على العرب العودة إلى النقطة التي انطلقت منها الصين وكوريا الجنوبية. كانتا أسوأ من متردّيات القرون الوسطى، هذا إذا نهض العرب شعوباً فرادى، أمّا إذا تفتّحت أبواب السماء وجادهم غيث العمل المشترك، رأيتَ ديارهم «سال النضار بها وقام الماءُ». حينها ينادي المنادي: أأنتم أربعمئة مليون على أربعة عشر مليون كيلومتر مربع؟ حتى معاجمكم ترسانات سيوف ودروع وتروس، ورباط خيل وعرائن ليوث. أين سروج السابحات العاديات الموريات الضابحات؟ وأين خير الجلساء، وأين العظماء الذين تصغر في أعينهم العظائم؟.
لزوم ما يلزم: النتيجة العجبيّة: لا وقت لعدم الاكتراث، بينما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن المغرضة.
[email protected]