هل تذكر تلك المرأة الأمريكيّة، من ولاية جورجيا، عندما غزت روسيا جمهورية جورجيا سنة 2008؟ المسكينة على نيّاتها هاتفت سلطات الولاية: «هل وصلت الدبابات الروسية إلى ولايتنا جورجيا؟». يجب أن تكون الدبابات افتراضيةً، برمجيةً حاسوبيةً، لتقطع عشرة آلاف كيلومتر بين موسكو والولاية الأمريكية، في لمح البصر. لكن، في الشبكة طرائف لا تحصى عن خوارق إلمام أهل الإمبراطورية بالجغرافيا.

ذلك هيّن، فالطامّة الكبرى أن يكون رجل أرسلته الإمبراطورية، مبعوثاً إلى لبنان وسوريا، في مهمّة سياسية دبلوماسية، وهو لا علاقة له لا بالسياسة ولا بالدبلوماسية، وجذوره لبنانية، لكنه لا يعرف أن اللبنانيين القدامى، هم الذين اخترعوا كتابة الأبجدية، فأخذتها عنهم أمم وشعوب وحضارات شتى. الموفد إلى سوريا لا علم له بحضارة أوغاريت وما قام عليها من إشعاع الآراميين من حدود الصين إلى شبه القارة الهندية وإيران وجغرافيا تركيا اليوم واليونان إلى الشمال الإفريقي وشبه الجزيرة الإيبيرية، إسبانيا والبرتغال.

حظ الرجل عاثر، زلّت به القدم إلى حدّ إنكار وجود الشرق الأوسط، قال إن هذه المنطقة مجرّد قبائل وقرى. تخيّل إلى أيّ حدّ تكون السياسة والدبلوماسية قد هَوَتا، ومعهما حتى أدنى مستوىً متصورٍ لصفريّة الثقافة العامّة، ألّا يرى الشخص طبقات الحضارات التي قامت على أرض الجزيرة العربيّة، ألّا يكون قد سمع بحضارة مصر، لم تطرق سمعه الأهرام. لا تسأله: كيف لم تقرأ سلسلة «وصف مصر»، المجلدات التي أنجزها العلماء والباحثون في حملة بونابرت على مصر؟ أو كتاب «فجر الضمير» للأمريكي، جيمس هنري برستد. توم باراك لا يعرف أن حضارات وادي الرافدين تقع في العراق، وأن العراق أشرقت فيه الحضارة الإسلامية خمسة قرون. هو لا يدري أن الشرق الأوسط مهد الديانات السماوية؟ رجل عقارات وسمسرة، لعلّه سمع بالذكاء الاصطناعي، الذي يستخدم الخوارزميات. لكنه لم يسمع بالخوارزمي، ولا بأنه كان عالماً في بلاط المأمون العباسي. السبب معقول: الخَواءُ رِزَم لديه.

ليس مستبعداً أن يكون المبعوث قد راقته عبارة جوزيب بوريل، الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية: «الغرب حديقة، والباقي كله أدغال»، فأراد توم باراك أن يباريه ويبتكر شيئاً يعيي من يداويه: نفى وجود الشرق الأوسط، جملةً وتفصيلاً. العلاج متعذّر، وإلّا قيل: «بعد ما شاب، أخذوه للكتّاب».

لزوم ما يلزم: النتيجة الإصرارية: هذا برهان قاطع على أن ترامب ديمقراطي من الطراز الأوّل، فحتى الذين لا يحسنون شيئاً، لهم حق في المناصب العليا، لسوء حظ العرب.

[email protected]