إلى أين تُقلع مركبات كبار المال والأعمال في العالم، لقد جاوزوا حدود الاستشراف المستقبلي؟غدت أبعاد رؤاهم تتحدى أبعد الاستراتيجيات الاقتصاديّة، بألوان من الخيال العلميّ غير المتصوّرة في الواقع حتى في نهاية القرن. مؤسس «آمازون»، جيف بيزوس، لم تعد لأحلام مشاريعه أقدام أو أشرعة أو أجنحة، فقد غادرت الغلاف الجويّ، وغرّدت بعيداً من أسراب الآدميين، المرتهنين لجاذبية كوكبنا الأزرق. لك أن تضيف إلى جنون العبقرية وجنون العظمة، جنون المال، لكن الرجل سيظل من عجائب الخيال العلمي في المال والأعمال، بإضفاء بعد زمني قروني على مشروعه الغريب. قل إن شئت إنه ليس الوحيد، الذي أسبغ على شخصه دور الدولة في التخطيط. ليس مألوفاً أن يضع رجل أعمال خطةً يحتاج تنفيذها إلى قرون. الأفراد أفراد، أمّا الدول فهي دول ولها شعوب، وتتحمل الهزات والتقلبات السياسية والاقتصادية.
موقع «لو رافي» (27 سبتمبر)، نشر مقالاً يجعل العقل يطير منذ العنوان، «جيف بيزوس: نستطيع نقل الصناعات الثقيلة والملوِّثة، إلى الفضاء، فالأرض يجب تخصيصها للصناعات الحيّة والخفيفة». هكذا يتعارض المشروع مع رؤية إيلون ماسك، صاحب «سبيس إكس»، «تسلا»، «إكس» (تويتر سابقاً).. الذي تتمثل غايته البعيدة في جعل المريخ كوكباً بديلاً للبشرية.
يقيناً، إن تفاصيل مشاريع الرجلين، ليست هي المحور الدقيق للتفكير السليم، خصوصاً لدى التنميات المتعثرة، التي لا تزال غير قادرة على الاضطلاع بخطط خمسية أو عشرية. ما يدعو إلى استجماع منظومة من الفكر والتأمل والتحليل لأبعاد هذا النمط من التخطيط الاستشرافي: ما هي الركائز التي تستند إليها هذه المشاريع، التي تعني تجاوز حتى قدرات دولة مثل الولايات المتحدة، أو كتلة صناعية مثل ثلاثي ألمانيا وبريطانيا وفرنسا. ماسك يبدو أرسخ منطقاً، فمرماه استعمار المريخ، كوطن بديل للبشر. أمّا بيزوس فقد فاق في الشطحات المتصوفين وأهل الشطط في الخيال العلمي. تخيّل الصناعات الثقيلة وهي تسبح في كُرات مستعمرات معلقة في الفضاء، مع محاكاة الجاذبية فيها.
قد يبدو مشروع ماسك نتيجة نظرة لا تخلو من التشاؤم، فالإنسان عاث في الأرض فساداً، بالتلوث الفتّاك واستنفاد الثروات الجوفية والسطحية، فلا أمل في إنعاشها وتجديد حياتها. أمّا بيزوس، فيرى أن نقل أسباب أدواء الكوكب وقاطنيه، سيعيد إلى الأرض دفء أحضانها وبهاءها، أُمّاً رؤوماً حانية.
لزوم ما يلزم: النتيجة الثقافية: قد تضفي هذه الرؤى، على المال والأعمال أبعاداً غير معهودة من الفكر والفلسفة. كأنها تصحيح معنويّ للرأسماليّة المتغوّلة.
[email protected]