هل تلوح في ذهنك سبل عمليّة لمعالجة هذا التردّي الثقافي، الأدبي تخصيصاً، الأسلوبي تحديداً؟ أغلب الظن أننا لن نختلف في أن العقود الأخيرة، لم يعد المشتغلون بالحرف والكلمة فيها، يشترون الجماليات الأسلوبية بشعيرة، بذريعة أنها تجاوزها الزمن. لكن، مع ذرّة استشراف، يدرك المرء أن قائمة الخدمات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في مجالات تحريريّة شتى، ستحفر هوّة هاوية من استسهال الإبداع، والنفور من المعاناة على طريق فنون الفرادة الأسلوبية.
من حقّ الأقلام الواعدة أن تفكّر في هذه الملاعب الجمالية، الذوقية، النقديّة، الأسلوبيّة، على النحو الذي يروقها، وعلى الجنب الذي يريحها، لكن، شريطة أن تحذر عواقب السذاجة والغرور الأجوف. كلام الحطيئة له مغزى: «الشعر صعبٌ وطويل سُلّمُهْ». الإبداع ككل أبعد مدىً، ولا يمكن بحال أن ينفصل عن اكتساب المهارات والتقنيات العالية، التي هي ثمار ثراء التجارب المتنوّعة وسعة آفاقها. لا يمكن الوصول إلى تلك المستويات الرفيعة، إذا تغذى القلم على مادّة غذائية واحدة، خصوصاً إذا كانت المكوّنات هزيلة. لقد رأينا كيف وقع جيل أو أكثر في جبّ التقليد غير البصير لمستوردات الحداثة وما بعد الحداثة، التي ذوت أوراقها في ديارها الأولى، قبل اندثار آثارها في العالم العربي. تخيّل ما بعد الحداثة قبل أدنى إنجاز تنموي.
أيها القلم الواعد العزيز، حذارِ أن يغريك أحد، بأنك تستطيع إبداع ما لم يستطعه الأوائل، من دون أن تتنسّم ولا حتى نفحة من كل خزائن كنوز الإبداع العالمي. حذارِ أن تصدّق أن في إمكانك أن تكون قمّة إيفرست الأدب، وأنت لم ترشف ولا حتى قطرة من مناهل الإبداع القرونية في الثقافات العربية، الفارسية، الصينية، الهندية، الأوروبية. قد يرمي لك ماكر، لقيم الإبداع ناكر، وأنت على نيّاتك له شاكر، بقشر الموز، فتصدّق أن في مقدور الموهبة الموسيقية الغضّة، أن تتألق إبداعاً، مع إهمال كل روائع الجماليات الأسلوبية التي خلّدتها بصمات السنباطي، عبد الوهاب، زكريا أحمد، القصبجي، بليغ حمدي، الرحباني.. وكل عمالقة الموسيقى السيمفونية. الإبداع الحقيقي القادر على القفز على القرون، ومغالبة الزمن، هو ذلك الذي يتغذّى على جميع الأساليب عبر العصور، وتهضم مهجته كل التقنيات والمهارات، عندها فقط يحق له أن يصدح مثل أبي الطيب: «وتركك في الدنيا دوياً كأنما.. تَداولُ سمعَ المرء أنملُهُ العشرُ»، ومثل جلال الدين: «ولّى دور باعة الرثّ القديم.. بائع جديد أنا، وهذه سوقي».
لزوم ما يلزم: النتيجة التغذوية: الثقافة المتكاملة المتوازنة، كالتغذية المتوازنة السليمة، بانوراما كاملة، ألوان طيف شاملة.
نحو تحصين الأقلام الواعدة
5 أكتوبر 2025 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 أكتوبر 2025 00:10 صباحًا
شارك