رائد برقاوي

عندما تستمع إلى سموه، تدرك أنك أمام حاكم تتخلل الثقافة قلبه قبل عقله، كرَّس جل وقته في البحث والتحليل، القراءة والدرس، تتبع المخطوطات في كل مكان، تدقيق الوقائع والأحداث، يؤكد حديثه ثقافته الرفيعة، أما أفعاله فتترجم عشقاً للثقافة لا يخفى على أحد، في كل أوقاته هناك ثقافة، أما اهتماماته فتثير التوقف والإعجاب، فهو اليوم يفتتح معرضاً للفنون، وبالأمس كنا نراه في معرض كتاب، أو عرض مسرحي، أو محاضرة علمية، وفي وسط كل هذا، هناك دعم لا محدود لمختلف مفاصل الثقافة، حتى تسأل نفسك، ماذا سيفعل غداً خدمة للثقافة العربية؟
عندما تريد أن تطمئن على راهن ومستقبل الثقافة العربية، فما عليك إلا أن تتابع أفعال وأقوال واهتمامات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في حضرته نحن أمام ثقافة تعي نفسها وتدرك مكانتها، وتنفتح على الآخرين في الوقت نفسه، هذا ما تؤكده رؤيته وكلماته، ففي حديثه خلال افتتاح مركز الدراسات العربية في جامعة «كويمبرا» البرتغالية، نحن نقف أمام رجل يمتلك ثقافة مؤسسية، تتسم برؤية واضحة، ذات أبعاد تاريخية وجغرافية، حديثه يمتعك ويدفعك للتفكر والتأمل، ولن تجد فهماً للثقافة مثل قول سموه: «الثقافة لا تغير التاريخ ولكنها تغير طريقة قراءتنا له»، فما حدث يعرفه كل الناس، ولكن هناك روايات مهمشة ووجهات نظر ضاعت في ثنايا الأحداث، تحتاج إلى البحث لكي تظهر.
يؤكد الشيخ سلطان أيضاً أن الثقافة لا تغير الجغرافيا، ولكن باستطاعتها أن تتجاوز الحدود لكي تكون أداة وصل بين البشر جميعاً، وهذا الفهم، للتاريخ والجغرافيا، تحديداً، هو ما يمكننا من تجاوز أي خلاف بين مختلف الحضارات والثقافات.
يؤمن صاحب السمو حاكم الشارقة، بأن الثقافة الإنسانية، صلة وصل لا فصل بين الذات والآخر، وسيلة للتفاهم وليس للصراع أو الاختلاف أو الإقصاء، عندما نسمو فوق الماضي ونتجاوز حدودنا الضيقة نحو كل ما هو مشترك بين البشر، سنجد في هذه المساحة نقاطاً للالتقاء والتفاهم والمحبة والسلام.
ذهب الشيخ سلطان إلى جامعة برتغالية، ليس من أجل إدانة احتلال حدث منذ قرون، ولكنه وقف ليتحدث وعقله مشغول ببعدين، الأول إبراز أهمية مخطوطة الضابط البرتغالي باربوزا التي بحث سموه عنها لسنوات طويلة، وتحتوي على معلومات جديدة عن أهل الخليج، معلومات تصحح الصور النمطية وتؤكد أن أهل المنطقة كانوا بشراً وأصحاب حضارة، أما البعد الثاني فيتمثل في تقديم ثقافتنا إلى العالم من خلال أول مركز يدرّس اللغة العربية في البرتغال، أي أن سموه يمزج بين الثابت الإنساني والثابت القومي والوطني، بين مد اليد بالخير والسلام للجميع، والقول إننا أصحاب لغة ليست غريبة عليكم، وأيضاً لدينا حضارة عريقة ضاربة في التاريخ يستحق أهلها مكانة أفضل في عالم اليوم.
هذا الفهم العميق للثقافة بأبعادها وثوابتها ودورها لن تجده إلا عند صاحب السمو حاكم الشارقة، فهْم تأسس على دراسة وخبرة، وسنوات من البحث واحتكاك بأكاديميّي العالم ومؤسساته العريقة، وأيضاً هو فهم ينطلق من رؤية تذهب إلى أن أبرز ما يمتلكه العرب هو الثقافة، هي ما أضافوه إلى العالم في الماضي، وهي كذلك ما يمكن أن يقدموه إلى الحضارة اليوم.
في حضرة الشيخ سلطان، نحن أمام رجل يتنفس ثقافة، جعل من الشارقة قبلة للجميع، ولا يمر يوم فيها إلا وهناك فعالية أو نشاط ثقافي، وامتد بالفعل إلى مختلف الساحات العربية، من خلال بيوت الشعر ومهرجانات المسرح العربي أو ترميم مكتبة في هذا البلد، أو دعم متحف مُعَرَّض للخطر في بلد آخر، يعاونه في ذلك كريمته الشيخة بدور التي تجول العالم لنشر رسالة الشارقة الثقافية بما يساهم ويدعم القوة الناعمة لدولة الإمارات.
حمل الشيخ سلطان الهمّ والرسالة الحضارية إلى الساحة الأوروبية، حيث هناك مشتركات تاريخية وجغرافية، فرأيناه في معرض أحد البلدان يوقع كتبه الحديثة، أو يفتتح معهداً في بلد آخر، أو يؤسس مركزاً للغة العربية في بلد ثالث، نشاط لا يهدأ، وجهد لا يتوقف، يثير الدهشة والإعجاب، هو يخدم الثقافة العربية في كل مكان، والحصاد لن يقتصر وحسب على إيصال صوتنا وتحسين صورتنا، ولكنه سيصب أيضاً في حراك عربي داخلي ينعش الفعل الثقافي في زمن لا يحلو فيه للمتابعين والمحللين إلا الحديث عن عقبات تعترض الثقافة، ليس في أوطاننا العربية، ولكن في العالم كله.
نحن أمة منتجة للثقافة، نمتلك تاريخاً طويلاً ومميزاً في هذا المجال، ذلك ما يجب أن ندركه جيداً، ونعمل على رعايته بكل ما نمتلك من وسائل، وتلك رسالة صاحب السمو حاكم الشارقة، التي يحترمها العالم أجمع، رسالة تمكث في الأرض وتنفع الناس، ويتوقف أمامها التاريخ طويلاً بكل تقدير واحترام.

[email protected]