هل لديك اعتراض على أن مناهج التربية والأوساط الثقافية، في العالم العربي، مسؤولة عن تكوين الوعي وتشكيله؟ وهل يخامرك شك في أنه كما يكنْ وعي الشعوب، تكن مناعة الأوطان وصلابة أمنها القومي؟ إذا اتفقنا على هذه الخطوة الأولى، تسنّى لنا النظر الفاحص في أسباب ظاهرة اللامبالاة العامّة، في البلاد العربية، إزاء القضايا الوجودية. مثلاً: أليس مرعباً مؤرقاً ألاّ نرى في الحياة اليوميّة، لدى أربعمئة مليون عربي، ملامح جليّةً لقوى معنويّة تعتدّ بها الأوطان وتفخر؟ هذا لا يعني، لا قدّر الله ولا كدّر، أن أنظمة التعليم عاكفة على التكوين الوادع، والإحجام الرادع، وأن الثقافة السائدة في بلاد العُرْب أوطاني، قلبت ظهر المجنّ لميراث القرون الأدبي، وألغته بنقرة فأرة، أوصدت الباب وعلّقت عليه لوحة «طبيعة ميّتة»، سلّة فواكه إلى جانبها كمان طريح.
لو كان العالم كله قد اختار هذا المساق، ووضع الساق على الساق، ما احتاج المرء إلى فكر عميق وإطراق. أمّا في تداعيات الكوكب المتداعي، التي يشهر فيها الإمبراطور سيف تغيير وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، تهديداً بالضرب، وينفجر النبأ العظيم معلناً، بغير مزاح، تغيير خريطة الشرق الأوسط، فأدنى عزم الأمور، أن تُطمئن المدارس العربية قلوب الملايين الأربعمئة، إلى أن لبناتهم وأبنائهم صلة قربى بأوطانهم، وأواصر حيويةً بترابهم السيادي. أين ذهبت تلك القيم المأثورة التي رضعتها الأجيال، عن «الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»؟ عافانا الله من تلك التي لا تزور إلاّ في الظلام، فنحن لا نريد الحمى، نريد ارتفاع حرارة الوعي، عسى ولعلّ وحتى يوضع حدّ لتداعي أحجار الدومينو.
يقيناً، لا يجرؤ أحد على مطالبة الشعراء بالتوقف عن ضبط الإيقاع في الشعر، حتى الداخلي منه، ولكن، حبذا لو تكرّموا أيضاً بمراقبة تسارع الإيقاع في انهيارات الموازين الجيوسياسية. انفصال الثقافة عن واقع الحياة وبال وبيل: هل ستعلن الثقافة استقلالها عن الحياة العامة، أم تطالب بحكم ذاتي؟ كيف هما مدرستا الكوفة والبصرة في النحو؟ كيف هو «معجم البلدان» العربية لياقوت الحموي؟ هل يكفي «الحب في زمن الكوليرا» في السودان؟ أمّا قضية المناهج العربية، فتصحيح مسارها في مجال التربية السيادية، وفي ميادين العلوم والتكنولوجيا، ضرورة قصوى، ولو تطلب الأمر سنين أو عقوداً. وأمّا تغيير مفاهيم الثقافة لتحيا قضايا الشعوب، فتأخير اليقظة الواعية مؤسف ومعيب.
لزوم ما يلزم: النتيجة المأساوية: كارثة المثقف خوفُه أن يتهمه الأغراب المغرضون بأنه يعشق افتداء وطنه وأمته.