عبد اللطيف الزبيدي

هل أنت مستعدّ لرحلة على قطار آلة الزمن، إلى مضارب العرب في العصر الجاهلي؟ هدّئ من روعك، فلن أغرقك في بحار المجلّدات العشرة، لكتاب «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، للعلّامة العراقي د. جواد علي. لن تندم على الجولة، فسوف ننقّب عن آثار البحث العلمي في مجتمع لم تكن فيه أنظمة تعليم، ولا مناهج تربية، ولا مدارس وجامعات ومراكز بحوث ودراسات، على غرار ما عرفه العصر الحديث. لا ينصرفنّ ذهنك إلى أنّ في الأمر مكراً، أو استفزازاً للواقع العربي في التاريخ المعاصر. ما يجب التفكر فيه، هو: كيف تألق العربي قبل الإسلام، بنظرته إلى اللغة كتكنولوجيا، وبالإبداع في إيقاعات الكلمات. 
محور اللغة كتكنولوجيا، ليس جديداً، فالبحوث الأكاديمية في هذا المجال لا حصر لها في الثقافات الغربية خصوصاً، وهي مباحث في ميادين بعيدة ممّا يودّ القلم طرحه. تلك الدراسات تعكف على المسيرة التطوّرية للفرقة الفسيولوجية التي تُصدر مخارج الأصوات. تطوّر مديد حدث عبر ألوف السنين. ولعل الزمن يسمح بجولة في تلك الحدائق العلمية الخلاّبة، إن شاء الله. لكن استعارة كلمة تكنولوجيا في شأن العربية قبل الإسلام، في محلها تماماً. 
لقد كان العقل العربي في ذلك المجتمع، أو تلك المجتمعات القبليّة، ذا قدرات مذهلة وأهليّة بعيدة المدى، على صعيد البحث العلمي الفطري، غير المكتسب بتربية وتعليم ومراكمة خبرات. إدراك هذا يسير، عندما نتأمّل المجهر الذهني الفائق، الذي نظر به إنسان ذلك العصر إلى بيئته. لم يترك ذرّةً من محيطه، إلاّ وأطلق عليها اسماً خاصاً. جغرافيته كان الغالب عليها الصحارى والقفار والبيد والفلوات.. لكن قلة العمران من حوله وفي مدياته، دفعته إلى ابتكار عالم تكنولوجي مترامي الأطراف، بالكلمات. غير خافٍ أن الكثيب يُجمع على كثبان، لكن إذا ترامت الكثبان على مدّ البصر، تغيّر اسمها، صارت عَوْكلة. أسماء الجمل من مولده إلى نفوقه موسوعة. 
هذا برهان على أن ذلك العقل العلمي بالفطرة، ملأ الفراغ التنموي وغياب الثراء الطبيعي والمادي في محيطه، بتنمية قائمة على تحويل اللغة إلى منتجات تكنولوجية تشيد عمراناً صوتياً. خذ مثلاً: أنت تعرف فعليْ دخل وخرج، وتعرف فعل فسق من الفسوق. لكن الجذر لا علاقة له بالفسق. الجاهلي لا يقول: دخل الضبّ من هنا وخرج من هناك، يقول حين يحدث الفعلان معاً: فسق الضبّ. تكنولوجيا خارقة. 
لزوم ما يلزم: النتيجة التأجيلية: انتهى العمود، وبقي النصف الآخر. نسأل الله أن يكون النصف الحلو.
[email protected]