هل حسبتَ أن النظر إلى اللغة كتكنولوجيا، واستدعاء البيئة العربية قبل الإسلام، مجرّد حنين إلى ميراث، لم يعرف المعاصرون كيف يبنون عليه؟ القضية أبعد من ذلك، وأبعد بكثير من سذاجة الوقوع في فخ فخفخة الفخر. الغاية من إثارة الموضوع، هي إعادة التفكير في عمق مفهوم القدامى لمفردة «إبداع». تقول معاجمنا التراثية: «الإبداع هو الصنع على غير مثال». تخيّل إذاً عظمة إيجاد تنمية من دون أن تكون لها سابقة يقاس عليها، كنموذج، كقالب. معنى ذلك أنه لو لم يكن لذلك العربي الجاهلي، محفّزات فطرية للبحث العلمي والابتكار، هل كان يصنّف كل صغيرة وكبيرة في محيطه؟ الاستنتاج المنطقي: سعة اللغة العربية، من حيث عدد الجذور والاشتقاقات، دليل على أن تلك المجتمعات أنجزت تلقائياً وفطرياً، عملاً معجمياً إبداعياً، من دون أي قاعدة أكاديمية.
لا يزال لدينا متّسع للشطر الآخر من النظر إلى اللغة كتكنولوجيا. أمامنا الآن قضيّة إبداع صِرف، أي اختراع أوزان الشعر العربي. لكن الأهمّ الذي يغيب عن الأذهان، الجانب العلمي في بحور الشعر، فالإيقاع رياضيات أو لا يكون. في علم الموسيقى يُعرّف الإيقاع بأنه «تقسيم الزمن إلى وحدات». بكل الدقة العلمية: التفعيلة في شعرنا، هي بمنزلة المقياس في الموسيقى: مستفعلن، فاعلاتن، فعولن، مفاعيلن... في بحورنا أوزان مركّبة مثل: الطويل، البسيط، الخفيف... كذلك في الموسيقى إيقاعات مركّبة (فرديّة غير زوجيّة)، مثل: خمسة على أربعة، سبعة على ثمانية. هذه يسمّيها العرب قديماً: الإيقاع الأعرج.
من أعجب العجائب أن الإيقاعات الشعرية في الآرامية والعبرية، القديمتين، لا تشكل حتى 10% من ثراء الأوزان العربية (المراجع موجودة على الشبكة). السؤال: كيف استطاع العربي قبل الإسلام إبداع ستة عشر إيقاعاً، كلها قائمة على وحدات التفعيلات. مثلاً: الخيول معروفة في كل القارات، فكيف التقطت الأذن العربية إيقاع ركضها، ووزنت عليه الكلام: «فعِلنْ فعِلنْ فعِلنْ فعِلُ»، وسمّته الخبب؟ ألا تلوح لك أشعار الشعوب التي تزن شعرها بالقدم، أي المقطع الصوتي، أقل موسيقية، وفقيرة إيقاعيّاً، قياساً على تفعيلاتنا، التي هي توقيعات آلات ضبط إيقاع تُسمِع من به صمم؟ ما تلك الأذن العربية المفطورة على الفيزياء، المشحونة بالإحساس بالموجات الصوتية وتردداتها، إن لم تكن الرياضيات سليقة فيها؟ كأنها تلقت دورة تسعة أشهر في الرّمَل، السريع، المنسرح، المتقارب، المجتث... وهي في المشيمة، حتى إذا كبر المولود تلاطمت أمواج بحور الشعر في قريحته.
لزوم ما يلزم: النتيجة التفكيرية: يجب البحث عن علل تبخّر العبقرية اللغوية، واندثار الإحساس برياضيات موسيقى الشعر، في الأمّة. لكن هل التراجع في هذا فقط؟
في رياضيات الإيقاع الشعري
11 أكتوبر 2025 00:11 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 أكتوبر 00:11 2025
شارك