ألا تلوح لك الساحة الفنية العربية غريبةً مريبة؟ زُلزلت الأرض من تحت أقدامها، ولم نَرَ هبّةً لإقدامها، لكن الحكيم لا يعجل بالقول: «ما لجرح بميّت إيلامُ»، لا قدّر الله. سيكون جميلاً بنا استعادة التاريخ في الحرب العالمية الأولى. طحنت الرحى أشكالَ المدنيّة والحضارة، في القارة العجوز، حتى باتت الحسناء الأوروبية، في أرذل العمر.
كيف كانت ردود أفعال الأوساط الفنية على الحرب التي هدمت الأشكال وأحدثت ألف إشكال؟ جُنّ جنون الفنانين، والفنون جنون. عند منتصف الحرب الأولى 1916، هدمت الداديّة كل حواجز الانضباط الكلاسيكية، التي ظلت مرعيّة في المدرستين الرومانسية والرمزية. قال القلم: ما هذا التغافل؟ ما لك تبخل على المفكرين والمثقفين والمبدعين العرب، حتى بسطرين من مقدمة بيان انطلاق الدادية، ولو لمجرد التذكير بصفحة من تاريخ الفن طواها النسيان. مقدمة البيان أهمّ بكثير من حركة الدادية كلها. دع أهل الثقافة يتفكّروا ويتدبّروا ويدركوا معنى ثقافة الفعل، ودور الفكر والشعر والمسرح والموسيقى والسينما والرواية، حتى لا تكون مراكمةَ إنتاج مصيره الغبار على الرفوف.
قلتُ: ويحك، هل تقارن ما جرى على العالم العربي في العقود الأخيرة، بويلات دمار الحرب العالمية الأولى في أوروبا؟ بلاد العُرْب أوطاني لم تنل بلدوزرات الحروب منها غير سبعة بلدان أو ثمانية. الرصيد المتبقّي وفير. ثم انظر كيف يلفّق المغرضون الأكاذيب للإمبراطور، الذي قال، بعَظَمَة لسانه: «لم أسمع قط بما يسمّى الريفيرا في غزة». قال ذلك وهو ينطق «على الهواء» مباشرة.
أمّا ما جاء في بيان الدّاديين، فمهمّ: «لقد فقدنا الثقة في ثقافتنا. كل شيء يجب أن يتغيّر. سنبدأ من جديد، الرأي العام، التعليم، المؤسسات...». بعد ثماني سنوات ظهرت السوريالية، وكرّت السبحة، تكعيبية، موسيقى مونتاج، قصيدة بصرية، تجريدية. ورأينا كم كانت الأوساط الثقافية العربية مترنّحةً في مفهومي الأصالة والتجديد. الصين والهند لم تتخلّيا عن الميراث الثقافي القروني، وشقت كل واحدة منهما طريقاً تنموياً متفرداً لمنظومة قيمها وهويتها، أي أن لكلتيهما ثقافةً استراتيجيةً تصنع بها شخصيتها بإرادتها وغايات طموحها. عندئذ فقط يمكن الحديث عن الثقافة الفاعلة. بتعبير آخر، ثقافتنا العربية تُحف على الرفوف، أو نقرٌ طربيّ على الدفوف، وعندما تتأزم الظروف، تتفرق الصفوف، فلا يبقى حتى لأوراق الشجر حفيف.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: حين يعجز المثقفون عن تبرير الجمود والركود، على المفكّرين مساءلة الثقافة. أزمة لا تقبل اللامبالاة والانتظار. ما بعد ذلك مساس بالأساسيّات.

[email protected]