عبداللطيف الزبيدي
هل في هذا الطرح شك لذي عقل؟ دع عنك العقود التي انقضت منذ ثمان وأربعين. تعال وتأمّل، كيف ستمرّ السنون السبعون المقبلة، على من أنهى عامه الخامس، يوم حطّت الحرب أوزارها، في العرس الشرقوسطي، الذي رعاه الإمبراطور. سيقضي ذلك الطفل عشرات السنين، بذاكرة حيّة تسعى في دمه، إن عاش غير معافى، مبتور طرف، أو شهد نهاية ذويه. لكن، سيغيّر ترامب رأيه، فقد قالت صحيفة أمريكية إنه عند سؤاله عن مدى ضمانه أن نتنياهو لن يستأنف الحرب، قال: «نأخذ الرهائن أوّلاً، ثم نرى»!
يستحق مئة جائزة نوبل، من يخترع لمناكيب غزّة ولبنان والعراق وسوريا وليبيا... أعجوبة العيش بلا ذاكرة. لو كانت تلك المساحات الجغرافية عليها أحياء سكنيّة بلا أحياء ولا حياة، وأتت عليها آلات الحرب، فجعلتها دكّاً دكّاً، لهان الأمر، وخمد الجمر، وجاد الأخيار بإعادة الإعمار، وقيل يا ديار، لا دخلتك شرور ولا أشرار، فماذا والدمار في النفوس، ينخرها كالسوس؟
الآن، محال إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. على العرب أن يضعوا خريطة طريق للأولويات العاجلة، التي ستكون الفاصلة بين الوجود وإخراج الأمّة من العصر والتاريخ: أوّلاً: الخطر الوبيل هو محو الوقائع الجهنميّة بكل ضحاياها المليونية في البلدان المذكورة، كما لو كانت وكانوا مناديل ورقيةً مآلها سلّة المهملات. الذين لا يبالون بضرورة المحاسبة، يحاسبهم الزمن بجعل ما يحدث لهم غير قابل للمحاسبة.
ثانياً: ما هي الخطط الإنقاذية لدى العرب، لمناكيب الحروب؟ الخطط الاستباقية، للحيلولة دون تحول المنكوبين إلى ألغام وعبوات ناسفة في قلب الأمن القومي العربي. ليت الإمبراطور وحاشيته كانوا على نيّاتهم، يتصوّرون أن كل شيء سيكون على ما يرام، بل أفضل، في غزة، بمجرد توفير الأسمنت والآجرّ. ثم إن غزّة ليست سوى حلقة في مسلسل.
العراق وليبيا وسوريا خضعت لعمليّات جراحيّة، تُركت مفتوحة بلا علاج، وستظل على الدوام تضرب مناعة العالم العربي بأسره، وأيّ تنمية تحقّقت. تخيّل العالم العربي كجسد، فيه أعضاء مريضة وأعضاء لا يصل إليها الدم بالغذاء والأوكسجين، وأعضاء تعاني اضطراب الوظائف، فهل تستطيع السليمة القوية الشعور بالأمن والأمان؟
طوال السنين الماضية، يبدو أن نظرية «أنا أوّلاً»، كانت النهج الممكن الوحيد، نظراً إلى أن المنظومة العربية صار العمل المشترك فيها ضرباً من الأوهام. لكن، «جزى الله الشدائد كل خير»، فحقيقة تجاوز كل الحدود في العربدة، والنوايا التوسعية المعلنة، انتهاكاً لسيادة الدول، أعادت إلى الأذهان ضرورة اليقظة الجماعيّة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الرصينيّة: مناكيب الحروب العرب، عشرات الملايين، وهؤلاء حزمة واحدة.
[email protected]