برونو كولمانت*

بصفتي خبيراً اقتصادياً، لستُ بطبعي ميالاً للتفاؤل. ذلك أن فوضى العالم، المُغطاة بمظاهر الاستقرار، تدفعني إلى توخي الحذر. أزمة مالية تلوح في الأفق، وما يزيدها وطأة أنها خفية وصامتة، لكن انفجارها سيُفاجئ الجميع.
أخشى أن تكون هذه الأزمة شاملة، حتمية، ويستحيل تنويعها، لأنها ستستند إلى مزيج متفجر من عاملين: الدين العام الأمريكي، الذي ربما أصبح غير مستدام؛ وهشاشة الدولار نفسه، الركيزة المهتزة للنظام المالي الدولي. يمكن تصحيح كلا العاملين، لكن الخطاب الرسمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينطوي على اندفاع متهور نحو النمو الاقتصادي من خلال تخفيضات ضريبية مستقبلية، وبالتالي زيادة الدين العام الأمريكي. لذا، فإن الأزمة المالية حتمية.
تُعد الهشاشة المالية للولايات المتحدة العامل الرئيسي الذي يُفسر مواقف إدارة ترامب، التي تسعى إلى تعويض نقاط الضعف الداخلية بموقف عدائي على الساحة الدولية. ويكمن في قلب هذه الهشاشة تضخم الدين العام الأمريكي. ويُعزى هذا التفاقم إلى عجز مزمن في الميزانية، وسياسات تحفيزية وتخفيضات ضريبية هائلة، وقد يصل إلى 140% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعتمد جدوى كل ذلك كلياً على قدرة الولايات المتحدة على فرض الدولار كعملة احتياطية عالمية. لكن هذه الثقة تتآكل تدريجياً. ففي عالم متعدد الأقطاب، تتنافس فيه القوى وتزداد عزلة واشنطن، تواجه هيمنة الدولار تحديات متزايدة، كما يتضح من خفض توقعات ديونه السيادية، ما يشير مباشرة إلى أن السياسة المالية الأمريكية تُشكل عامل خطر رئيسياً.
تدفع التوترات الدولية الولايات المتحدة إلى الحفاظ على مستويات إنفاق مرتفعة، بينما يعيق الاستقطاب الداخلي أي إصلاح مالي. وفي عهد ترامب، تُرجم هذا إلى إجراءات تهدف إلى إضعاف الهيمنة الصناعية للدول المنافسة، مع حماية الهيمنة المالية الأمريكية، لكن مع خطر التفكك العالمي.
معلوم أن الدين العام الأمريكي لا يمكن السيطرة عليه، ليس بسبب الافتقار إلى الحلول التقنية؛ بل لأن النخب السياسية المهووسة بالسباق الشعبوي ترفض دفع الثمن، الأمر الذي يحول الدين إلى واحد من أعراض مرض سياسي لا بد من معالجته.
يُضاف إلى خطر الدين العام الأمريكي عاملٌ ثانٍ أكثر حسماً: هشاشة الدولار. فالتدخل المتزايد في السياسة النقدية، الذي أصبح الآن خاضعاً لاعتبارات انتخابية، يُهدد استقرار الدولار بشكل مباشر.
وقد يُؤدي فقدان الثقة في القوة المؤسسية والمالية للولايات المتحدة إلى انخفاض قيمة عملتها، ما يقود إلى سلسلة من ردود الفعل المدمرة: تخفيضات تنافسية في قيمة العملات، وارتفاع حاد في التضخم العالمي، وهلع في الأسواق.
هذا السيناريو ليس افتراضياً؛ بل مُخطط له بالفعل من خلال جهود التكتلات الاقتصادية الناشئة لإلغاء الدولرة. والجمع بين الديون المفرطة وضعف الدولار من شأنه أن يُغذي انعدام الثقة على نطاق واسع، ما يجعل الأزمة حتمية تقريباً.
ستكون عواقب هذه الأزمة عالمية. فزيادة علاوة المخاطر على الدين الأمريكي ستدفع العائدات إلى الارتفاع، ما سيجبر البنوك المركزية الأخرى على اتباع نهج مماثل. ستنخفض قيمة عملات الأسواق الناشئة، وستخضع أسواق الأسهم لتصحيح حاد، وسيواجه الاقتصاد الأمريكي نفسه تكاليف تمويل قياسية.
يتفاقم هذا الخطر مع تفكيك الضمانات التنظيمية، ذلك أن ضعف قوانين الحماية واحتمال تخفيف القواعد الاحترازية يجعلان النظام المصرفي الأمريكي أكثر عرضة للخطر. هذا التباين التنظيمي يُوسّع فجوة المرونة، ويجعل أزمة مالية جديدة في عهد ترامب ليس فقط مرجحة؛ بل وشيكة حيث تتمثل استراتيجيته في تحطيم النظام العالمي لما بعد الحرب. ومع اعتماد الدولار عملة احتياطية، استوردت الولايات المتحدة ما لم تعد تُصنّعه، بعد أن أسست عولمة تجارية على النمط الاستعماري. واليوم، تسعى إلى التحرر من هذا الوضع، متهمةً الدول التي كانت مستعمرةً سابقاً بسرقة وظائفها. كل ما يفعله ترامب يسير في هذا الاتجاه سواء كانت الرسوم الجمركية، أو التهديدات الدبلوماسية، أو الانسحاب من المنظمات الدولية.
هيمن الدولار على النظام النقدي العالمي منذ عام 1944، مدعوماً من الجيش الأمريكي. لكن الولايات المتحدة اليوم تنسحب من الصراعات، وتتخلى عن حلفائها، وتتنازل عن مناطق نفوذها. في ظل رئاسة ترامب، تبرز نزعة قومية مزدهرة تُضعف الدولار، الذي تتضاءل مصداقيته في الاستثمار المستدام. وسيأتي وقت لن يحظى فيه الدولار بضمانات كافية لضمان مصداقيته. هذه هي نهاية العملة، فقد أصبح النظام القانوني الأمريكي أداة للهيمنة الاقتصادية، يُخضع الشركات الأجنبية لولايته القضائية الخارجية، ويُضعف السيادة والمنافسة.
وفي مواجهة هذه التحديات، تتلاشى أوروبا وتقبع في الخلفية. فمن دون حوكمة أو تكنولوجيا، إضافة إلى سكانه المعتمدين على الآخرين والمتقدمين في السن، يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى الجرأة. لقد تجمدت القارة بسبب خلافاتها وأصبحت مشلولة غير قادرة على الفعل.
*خبير اقتصادي وعضو الأكاديمية الملكية البلجيكية «يورآكتيف»