هل ثمّة شيء أروع من أن تنقل إلى النبات الجديد المنبت عن التقاليد الإبداعية خلاصة تجارب حياة؟ المشكلة هي أن النشء الجديد يلغي المسافة الزمنيّة، فيتوهم أن الإبداع انفجار عظيم، لا يحتاج إلى بنيان مديد، وتأهيل ذاتي ومراكمة خبرات. هل يستوي جلال الدين الرومي والشخابيط الحداثويّة؟ بيكاسو، كان في الدرجة الأولى من القطار. دخل المقصورة شاب، ذهل لمفاجأة الرسام العالمي: «معجزة، أيها الفنان العظيم، هذه ورقة وقلم، هل تتكرّم بسكتش لي؟» ابتسم بيكاسو: «مرحى، هات عشرة آلاف فرنك». بعد دقيقة كان الرسم في يد المسكين، قال: ولكن الأمر لم يأخذ منك أكثر من دقيقة. قال بيكاسو: «إنها حقاً دقيقة، ولكنّ وراءها ستّين عاماً من التجارب والعمل الدؤوب».
صحيح أن الشاعر الفرنسي، كورناي، يقول: «القيمة لا تنتظر عدد السنين»، لكنك لا تستطيع، من باب الحياء، أن تختزل أعمال أبي العلاء المعري في أنها ألفباء وفعل وفاعل ومفعول. هل يستطيع أحد أن يختصر أو يعتصر كل أعمال باخ وموتزارت وبيتهوفن، في «دو. ري. مي، فا. صول. لا. سي»؟ هل أتى المتنبي أو حافظ الشيرازي، بأبجدية من عنده؟ الأبجديات ملك الجميع، قاطبةً سواسية. آلات البيانو في المتاجر، تختلف في الأسعار وجودة الصنع، لكن الإبداع الموسيقي شيء آخر. أنت تكتب القاف واللام والميم، بقلم ذهبي مؤلمس، أو بتِبْنة من عصف مأكول. القلم الذهبي المؤلمس ليس هو الذي يتخطى حدود الزمن ويخلّد، فتلك الحروف التي رُسمت به هي التي إن أتيحت لها شروط الخلود دخلت التاريخ، حتى ولو كتبت بقشّة هشّة.
المناهج العربية لا تُعلّم النشء الجديد أن الأبجدية إنما هي مثل أصابع البيانو، مثل أوتار العود والبالالايكا والكمان والتشيللو والتار والسيتار. إذا كان العازف هو نصير شمّة، فرانز ليست، باجانيني، روستروبوفيتش، جليل شهناز، رافي شانكار... فإن الإبداع هو حاصل النبوغ والطاقة والجهد ومعاناة التطوير الذاتي. موتزارت، حين سئل: «ماذا تفعل حين تؤلف أعمالك»؟ قال: «لا شيء، غير أن أضع النوتات المتحابّة متجاورة». ما رأيك؟ هل روعة الأسلوب البديع غير هذا؟ دع كل ما يقوله النقاد والأدباء والبلاغيون والنحاة من آراء. يومَ تصير لك حاسة إبداعيّة، تنبئك عصفورتها بأن بين الكلمات الفلانية والفلانية والفلانية هوًى وهياماً، عندها تكون قد امتلكت مفاتيح سحر الأساليب. المفردات حجارة، لكن، عندما يتجلى الإبداع، يقدح الزناد، فترى سقط الزند. أوتار العود في الأسواق تنتظر الإنطاق. كذلك، ما كل خشب عود عابق.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفيزيائية: عزيزي القلم الواعد، لا تنتظر من دفعة إصبع أن تطلق مركبة فضائية. العمل الإبداعي العظيم يحتاج إلى مجموعة محرّكات عملاقة.
[email protected]
فيزياء الإبداع طاقة وجهد
18 أكتوبر 2025 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 أكتوبر 00:10 2025
شارك