د. تركي بن عبدالله الرجعان*
حين يتأمل الزائر التجربة الإماراتية، لا يقف عند حدود الإعجاب بالمنجز، بل يتجاوز ذلك إلى طرح سؤال جوهري، كيف استطاعت هذه الدولة أن تصنع لنفسها مكانة تنافسية لا على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى العالمي، في زمن قياسي؟ هذا السؤال لا تُجيب عنه الأرقام وحدها، ولا يُختزل في جمالية المعمار أو تطور البنية التحتية، بل في المنهج الذي اختارته الدولة لنفسها منذ التأسيس، وهو أن تكون التنافسية نهجاً لا شعاراً، وأن تتحول الفكرة من طموح سياسي إلى ثقافة مؤسسية وهوية وطنية.
لقد آمنت الإمارات مبكراً بأن الريادة لا تُمنح، بل تُكتسب، وأن البقاء في الصفوف الأولى لا يكون بالحظ أو المصادفة، بل بالبناء والتخطيط والانضباط في تنفيذ الرؤية. ولهذا، لم تكتفِ بالمنافسة على مؤشرات تقليدية كالنمو أو الاستقرار، بل قررت أن تدخل ساحات لم تكن مأهولة عربياً، الذكاء الاصطناعي، استكشاف الفضاء، الحكومة الرقمية، الاقتصاد الأخضر، وغيرها من المسارات التي جعلت الإمارات حاضرة في تقارير التنافسية العالمية، بل ومتقدمة على دول عريقة في بعض المؤشرات النوعية.
من خلال احتكاكي الأكاديمي والمجتمعي، ومن خلال زيارات متعددة للدولة ولقاءات مع الأصدقاء، أدركت أن ما يميز التجربة الإماراتية ليس فقط وضوح الرؤية، بل الالتزام الجمعي بتحقيقها. المواطن الإماراتي لا يتحدث عن خطط الدولة كمن يتفرج من بعيد، بل بوصفه شريكاً أصيلاً في المسيرة.
الإمارات أيضاً لم تكتفِ بأن تتطور من الداخل، بل قدمت نفسها نموذجاً يُحتذى في محيطها، فأصبحت معياراً يُقارن به الآخرون. كل فكرة إدارية أو تقنية أو خدمية جديدة تُطرح في العالم العربي، يُسأل ضمناً - هل سبقتنا إليها الإمارات؟ وهل نستطيع تطبيقها بالكفاءة نفسها؟ هذا التحول من «دولة تنمو» إلى «دولة تُقارن» هو أحد أبرز معالم النجاح الحقيقي، لأن الدولة لم تعد فقط تسابق الزمن لنفسها، بل أصبحت تضبط إيقاع التطوير في محيطها.
ومما لا شك فيه أن هذا التحول لم يكن ممكناً لولا وجود قيادة تبنّت فكرة أن الدولة يجب أن تكون منصةً للأفكار الجديدة، لا مجرد حارس على ما هو قائم. فصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وغيرهما من القادة، لم يكتفوا بالتنظير للتنافسية، بل أسسوا لها برامج وهيئات، وأدخلوا مؤشرات قياس الأداء في عمق الجهاز الحكومي، وفتحوا المجال للمنافسة حتى بين الإمارات نفسها في إطار الاتحاد الواحد، ما عزز مفهوم التميز كمطلب لا كخيار.
إن التجربة الإماراتية، في جوهرها، ليست قصة رفاهية ولا سباقاً نحو الحداثة الشكلية، بل هي مشروع دولة عصرية تُدرك أن مكانتها في العالم لن تُحترم إلا إذا استطاعت أن تُنتج نموذجاً حياً يُحتذى، وأن تصبح مرجعاً في التخطيط لا ميداناً للتجربة. ولهذا، فإن كل فكرة جديدة اليوم في منطقتنا لا تُقاس فقط بمدى جدتها أو طموحها، بل بمدى اقترابها من «المعيار الإماراتي» في التطبيق والفاعلية والتأثير.
وإذا كان من درس يُستفاد من هذا النموذج، فهو أن الدولة لا تُبنى بالإنفاق وحده، ولا بالتشريعات فقط، بل تُبنى حين يتبنى المواطن ذاته فكرة التميز، ويشعر بأنه جزء من مسيرة أكبر، وأن نجاحه الشخصي لا ينفصل عن نجاح وطنه.
*أكاديمي - أستاذ قانون