هل تذكرتَ «الرسالة البغداديّة» لأبي حيان التوحيدي، حين صدم سمعَك ردّ المتحدثة باسم البيت الأبيض على أحد المراسلين؟ سألها المنحوس الطالع: «من اختار بودابست لاحتضان القمة بين الرئيس الأمريكي ترامب ونظيره الروسي بوتين؟» فأوجزت ولم تسهب، وأعجزت ولم تطنب: «أمّك هي التي فعلت».
أرأيتَ كيف أن ما يلوح دعابةً لاذعةً لغير الفاحص، إنما يحمل في طيّاته حزمة أشواك من الدلالات. كارولين ليفيت ناطقة بلسان القصر الإمبراطوري، وليست في مجلس ظرف أو تظارف لزمرة رفاق يتراشقون بالهجائيات. أليس منطقياً أن يتخيل المرء تلك العبارة «ماذا لو»، التي يستخدمها المؤرخون لاكتشاف مجرى الأحداث لو غيّر سهم الوقائع اتجاهه؟ ما الذي يمكن تصوره لو كان سيّئ الحظ من طينة كارولين، التي آثرت العنف على اللين؟ وجهها لا يوحي بتلك العدوانية، لكن الطبيعة حافلة بالبدائع الجميلة السّامة، من أنواع الفطر الملونة، فاقعةً، قانيةً، ناصعةً، إلى الضفادع ذات الألوان الفوسفورية، والأفاعي والثعابين الزاهية بأبهى زخارف الفنون التشكيلية.
ماذا لو كان لذاكرة المغبون خشّاب ردود من قبيل «وإذا بليت بظالم كن ظالماً»، أو«لا يفلّ الحديدَ إلا الحديدُ»، أو«متى كنّا لأمك مقتوينا؟» (خُدّاماً)، أو «حتى الحديد سطا عليه المبردُ»، بل لو كان إعلامياً من طراز ذلك العراقي، في حضرة بوش الابن؟ القضية أبعد بكثير من أن تمرّ كدبيب نملة عمياء على صخرة ملساء. كم عدد الإعلاميين في جميع وسائط الإعلام في العالم؟ تلك اللطمة وجّهتها المتحدثة إلى الملايين، لكن هذه الشبلة ظل ذاك الأسد. لك أن تطبّق عليها قول حافظ الشيرازي: «أقول ما يريد أستاذ الأزل أن أقول». تلك تلميذة من لا يعرف غير الإيلام لأهل الإعلام.
كاد القلم ينسى كتاباً فريداً في تاريخ اللغة العربية «الرسالة البغدادية» (قرابة 500 ص). هو أكبر موسوعة في«أدب الشتائم»، وهل يبلغ كاتب القمة الأسلوبية للتوحيدي؟ ما أحوج كارولين إليه. لا يليق بمن ينطق بلسان القصر الإمبراطوري أن يكون سبابه دون مستوى بذاءة كوخ صفيح.
لزوم ما يلزم: النتيجة الخطريّة: ماذا لو انتقلت العدوى إلى الدبلوماسية العالمية؟ قد تنزلق المتحدثة إلى مخاطبة الدول هكذا. كِلام الكَلام لا تندمل (الكِلْم الجرح).
دردشة في كِلام الكَلام
20 أكتوبر 2025 00:22 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 أكتوبر 00:22 2025
شارك