حين نتأمل اليوم مرور خمسة وخمسين عاماً على صدور صحيفة ، لا يمكننا أن نراها مجرد صحيفة عمرها أكثر من نصف قرن، بل ذاكرة وطن حيّة تنبض بالوعي، وشاهدة على رحلة بناء الدولة من بداياتها الأولى حتى حاضرها المزدهر. إنّ الحديث عن «الخليج» هو حديث عن الصحافة الإماراتية في أصدق تجلياتها، وعن فكرٍ آمن بأن الكلمة يمكن أن تكون وسيلةً للتنوير مثلما هي وسيلةٌ للإخبار، وأن الصحافة ليست سطراً يُكتب، بل مسؤوليةٌ تُمارس بضميرٍ حيٍّ وانتماءٍ صادقٍ إلى الأرض والإنسان.
منذ أن انطلقت عام 1970 على يد الشقيقين المغفور لهما تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم، رحمهما الله، كانت الرؤية تتجاوز فكرة إصدار صحيفة يومية، لتصوغ مشروعاً وطنيّاً يُسهم في تشكيل وعي المجتمع الجديد الذي كان يخطو أولى خطواته نحو الاتحاد. لم تكن «الخليج» مجرد تجربة إعلامية محلية، بل حلم مؤسسَيْن أرادا أن يترجما عشق الوطن إلى منبرٍ يعكس نبضه، ويوثّق تحولاته، ويُعبّر عن آماله وآلامه. ومن رحم التحديات، ولدت «الخليج» كبيرةً، تحمل رسالةً تتجاوز حدود الورق إلى رحابة الفكر، وتؤمن بأن الصحافة ليست مهنة للكلمة، بل صناعة للمعنى.
منذ عددها الأول، اختارت «الخليج» أن تسير في طريقٍ مختلف، طريق لا يبيع الموقف ولا يساوم على الحقيقة. فبينما كانت المنطقة تموج بالأحداث والتجاذبات، ظلت الصحيفة حارسةً للتوازن، ومنبراً للرأي الرصين، وصوتاً يُعبّر عن قضايا الأمة دون تعصب أو انحياز. ولعل سرّ بقائها واستمرارها في صدارة المشهد الإعلامي لعقود هو ذلك الإيمان العميق بأن الصحافة ليست منصةً للتأثير فقط، بل أداةٌ لبناء الإنسان الواعي، والمجتمع المتسامح، والفكر المسؤول. ولهذا لم تنجرف يوماً نحو الإثارة، ولم تركض خلف العناوين الصاخبة، بل آثرت العمق على السطح، والمصداقية على المجاملة، والعقل على الانفعال.
ومن يقرأ تاريخها اليوم، يدرك أنها لم تكن تكتب من أجل التوثيق فقط، بل من أجل أن تترك أثراً في الوعي الجمعي للأجيال. ولهذا بقيت على الدوام مساحةً يلتقي فيها فكر المثقفين، وحوار المفكرين، وصوت الإنسان العادي الذي يجد في صفحاتها مرآةً صادقةً تعكس همومه وآماله.
«الخليج» ليست مجرد صحيفةٍ تُوزَّع كل صباح، بل جامعة فكرية تخرّج فيها عشرات الصحفيين والكتّاب والمثقفين الذين تعلموا فيها أن الصحافة موقف قبل أن تكون مهنة. تعلموا أن الحرية لا تُمارس بلا وعي، وأن الكلمة إذا فقدت نزاهتها فقدت قيمتها. فكانت الصحيفة بيتاً للفكر، ومدرسةً للمنطق، ومرجعاً لكل من أراد أن يرى الحقيقة كما هي، لا كما يراد لها أن تُروى. ومن هنا جاء وصف صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، حين قال إنها «ليست مجرد صحيفة بل تاريخ وطن». فعبارته تختصر كل ما تمثله «الخليج» في الوجدان الإماراتي: ذاكرة الأجيال، وسجل النهضة، وصدى صوتٍ ظلّ مخلصاً للتراب الذي انطلق منه.
ما يميز هذه المسيرة أنها لم تكتفِ بأن تكون شاهدة على الأحداث، بل كانت جزءاً منها. كتبت عن قيام الاتحاد، وعن الرجال الذين حملوا حلم الدولة، وعن المشاريع التي غيرت وجه الصحراء إلى مدن نابضة بالحياة. كتبت عن الإنسان الإماراتي الذي آمن بأن الكلمة يمكن أن تبني مثلما يبني الفعل. وعلى مدى خمسة عقود، ظلت «الخليج» ترافق مسيرة الوطن خطوة بخطوة، تلتقط لحظاته، وتوثق منجزاته، وتنقل للعالم صورته المشرقة كما يليق بدولة تسير بثبات نحو المستقبل.
لقد عرفت «الخليج» كيف تجمع بين الأصالة والتجدد. لم تتجمد عند شكلها الورقي، بل انتقلت بثقة إلى الفضاء الرقمي، محتفظةً بروحها ومهنيتها. بقيت الصحيفة نموذجاً في التطوير الهادئ والمتزن، لا تركض خلف الموضة الإعلامية، بل تختار التطور المدروس الذي يحفظ القيمة ويضمن الاستمرار.
ولعل أجمل ما في «الخليج» أنها لم تكن منبراً للأحداث فقط، بل مرآة للقيم الوطنية. كتبت عن الاتحاد كقيمة لا كشعار، وعن التسامح كمنهج لا كموسم، وعن الولاء للوطن كواجب لا كعبارة. كانت صلتها بالقارئ صلة ثقة لا مجاملة، وصوتها امتداداً لصوت كل إماراتي يرى في بلاده نموذجاً يحتذى. لذلك لا نبالغ حين نقول إن «الخليج» لم تواكب النهضة الإماراتية فحسب، بل كانت شريكاً فيها، تكتب بلغةٍ تؤمن بالمستقبل وتفهم الحاضر وتقدّر الماضي.
اليوم، ونحن نشاركها احتفالها بمرور خمسة وخمسين عاماً، نحتفل في الحقيقة بثقافةٍ رسّختها، وبمسيرةٍ شريفةٍ أثبتت أن الصحافة الهادفة يمكن أن تصمد، وأن المصداقية لا تبلى بمرور الزمن. نحتفل بذاكرة وطنٍ نُقشت بالكلمات، وبقلمٍ لم يحد عن ضميره يوماً. فكل عام و«الخليج» بخير، وكل عام وهي تذكّرنا أن الصحافة ليست ما يُقال، بل كيف يُقال، وأن الكلمة الصادقة، مهما تغير الزمن، تظلّ هي الباقية.
«الخليج».. ذاكرة تنبض بالعقل والوفاء
21 أكتوبر 2025 00:11 صباحًا
|
آخر تحديث:
21 أكتوبر 00:11 2025
شارك