يونس السيد
لم يكن هناك أي أوهام بأن الطريق إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، أو ما يعرف باليوم التالي، سيكون مفروشاً بالورود، كما لم يشك أحد في أن إزالة العراقيل أمام هذه المرحلة باتت حصراً مرهونة بقدرة الولايات المتحدة على ضبط إيقاع التصعيد، وإجبار طرفي الصراع على الالتزام بالتهدئة.
الوسطاء أنفسهم لم يترددوا في الاعتراف بصعوبة الانتقال إلى المرحلة الثانية، وأنهم آثروا التركيز على المرحلة الأولى، التي حملت معها انسحاباً إسرائيلياً جزئياً من قطاع غزة، وتبادلاً للأسرى وبعض جثامين الرهائن والمعتقلين، من دون أن يغيب عن ذهن الجميع هشاشة وقف إطلاق النار الذي تعرض لاختبار صعب كاد يطيح بكل ما تحقق ويعيد الأوضاع إلى المربع الأول.
وكما هو معروف، منذ بداية التوقيع على اتفاق المرحلة الأولى، كانت هناك رغبات متباينة لدى طرفي الصراع ومحاولات لتثبيت وقائع على الأرض. كما لم تتوقف المناورات والألاعيب السياسية، من الجانب الإسرائيلي تحديداً، للتملص من تنفيذ الاتفاق عبر الخروقات والتصعيد المتعمد ووقف دخول المساعدات بناء على ذرائع واهية من نوع تأخير تسليم جثامين الرهائن، وهي أساساً صناعة إسرائيلية، في محاولة للانسحاب نهائياً من خطة ترامب وتحميل المسؤولية إلى الطرف الفلسطيني.
على هذه الخلفية، يأتي الحراك الأمريكي المكثف لحماية خطة ترامب وضمان الانتقال إلى اليوم التالي وسط إصرار أمريكي، كما يبدو، على إنجاح الخطة. ذلك أن وجود ثلاثة مسؤولين أمريكيين في اللحظة نفسها بإسرائيل، يعكس شعوراً أمريكياً بالقلق من محاولات نتنياهو التنصل من الاتفاق، تحت ضغط قوى اليمين المتطرف، للعودة إلى استئناف الحرب، بذريعة أن ما يحدث في غزة لم يعد قراراً إسرائيلياً. وتدرك واشنطن أن إحكام قبضتها على قرار الحرب والسلام في غزة، هو ما يحول دون انهيار الاتفاق، وبالتالي فهي تمارس أقصى أنواع الضغوط على الطرفين، تارة عبر تهديد «حماس» والقضاء عليها إذا انتهكت الاتفاق، وتارة أخرى عبر منحها فرصة مؤقتة لضبط الأمن ضمن المرحلة الانتقالية، مع إبقاء السيف مسلطاً على رأسها لجهة نزع السلاح وإبعادها عن إدارة الحكم في القطاع، وهي مواقف متناقضة لكنها تبدو ضرورة أمريكية لضمان تسيير ما تبقى من المرحلة الأولى والانتقال للمرحلة الثانية من الخطة.
أما على الجانب الآخر، فمن الواضح أن الحراك الأمريكي يستهدف إرغام نتنياهو على الانضباط للخطة الأمريكية، مع السماح له بردود فعل متناسبة لا تهدد الاتفاق، في حال أي تجاوزات محتملة، تحت مراقبة أمريكية لصيقة خوفاً من إفشالها. هذا الحراك يقترن، بطبيعة الحال، بمحاولات تسريع تشكيل قوة دولية بتفويض أممي لتسهيل مهمة إدارة غزة وإطلاق عجلة إعادة الإعمار، بالتزامن مع فتح مسار سياسي اقتصادي يمهد لتوسيع دائرة السلام الإقليمي، واستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة.
[email protected]