في إحدى الليالي، حين انقطعت الكهرباء في مزرعتي لساعات طويلة، وجدت نفسي معزولاً عن كل شيء، لا هاتف، لا إنترنت، لا وسيلة اتصال، فقط أنا والطبيعة وصوت الصمت، كانت عزلة بدت في البداية ثقيلة، لكنها تحولت إلى مرآة جعلتني أرى العالم من الخارج، وكأنني أعيش زمناً مختلفاً تماماً، تلك الليلة كانت الشرارة التي دفعتني إلى كتابة روايتي «العودة إلى المستقبل»، التي تخيلت فيها أن الأرض تعرضت لعاصفة شمسية هائلة أعادت البشرية مئات السنين إلى الوراء، بعدما فقدت كل وسائل التكنولوجيا التي كانت تعتمد عليها، فاختفت الذاكرة، وضاع التاريخ، ولم يبق شيء مكتوب، عندها أدرك الناس أنهم فقدوا ليس فقط التقنية، بل الحقيقة نفسها.
لكن ما أريد قوله اليوم لا يتعلق بانقطاع التكنولوجيا، بل بانقطاع الحقيقة في زمن التكنولوجيا، فالخطر الحقيقي الذي نعيشه الآن لا يكمن في أن تنطفئ الأجهزة، بل في أن تنطفئ الحقيقة خلف خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل الواقع كما تشاء، أصبح بالإمكان أن نعيد كتابة التاريخ، أو إعادة تشكيل طريقة تفكير الناس واتجاهاتهم حتى يفقدوا القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع.
نحن اليوم نتخلى تدريجياً عن الملموس في كل شيء، نعتمد على السحابات الرقمية لتخزين معرفتنا وذكرياتنا ومراجعنا، وكأننا نثق بأنها ستبقى إلى الأبد، لكن السؤال هل نضمن أن تبقى؟
هل نضمن أن تصل الحقيقة إلى الأجيال القادمة كما عرفناها نحن؟ الجواب بالطبع لا، فالتزوير لم يعد يحتاج إلى زمن أو جهد، بل إلى أمر برمجي واحد يعيد كتابة الماضي أو يصوغ الحاضر بما يخدم مصالح من يتحكمون في هذه التقنية.
حتى التاريخ المكتوب لم يسلم من التحريف حين كان يكتب بالحبر والورق، ومع ذلك بقيت المراجع الأصلية والوثائق القديمة الشاهد الصادق الذي أعاد تصحيح المسار وكشف الزيف بالبرهان، فإذا كان التزوير حدث رغم وجود الكتابة، فكيف سيكون الحال اليوم، في زمن يمكن فيه للآلة أن تعيد كتابة كل شيء بلمسة زر؟
الورق ليس وسيلة قديمة، بل ذاكرة لا تخترق وشاهد لا يزور، وعلينا بجانب هذا التطور أن ندون ونحفظ الحقيقة حتى تبقى ثابتة مهما تغيّر العالم. فلنكتب، ولنحتفظ بما نملك من فكر وتجربة على الورق، لأنه الحصن الأخير للحقيقة، والملاذ الذي سيعود إليه العالم يوماً ما، لذلك احتفظوا بالأوراق، فهي التي ستحفظ الحقيقة حين يذوب كل شيء.
احتفظوا بالأوراق
25 أكتوبر 2025 01:42 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 أكتوبر 01:42 2025
شارك