من يتأمل الوضع المروري في عدد من إمارات الدولة، يلمس عن قرب حجم التحولات السريعة في كل أجزاء المنظومة، من طرق وبنى تحتية ومركبات ووسائط نقل أخرى، ويدرك أن هذا التحدي لن يتوقف في ظل نمو تشهده البلاد في مختلف القطاعات، وأولها عدد السكان، وبالتالي أعداد المركبات التي تقطع شوارعنا يومياً، ولا يزال الحصول عليها وترخيصها متاحاً بأقل الأسعار، ومن دون قيود.
ورغم تطور وسائل المواصلات العامة، وسهولة استخدامها، وتغطية شبكاتها، فإن السيارة لا تزال الخيار الأول للكثيرين، في ظل تنافسية استخدامها، من ناحية سعرها، وتوفر مركبات مستخدمة، وكذلك سهولة الحصول عليها، في ظل تنافس شركات التمويل، ولاحقاً رسوم الترخيص والتأمين، والتي تعد عادية، وفي المتناول، لمختلف الشرائح، وهو ما يفسر سرعة تزايد أعدادها، وبالتالي إرباك الطرق والمرور، بحركة تحتاج لمواكبة متلاحقة في البنى التحتية والأنظمة المرورية والمواقف وغيرها.
الأرقام تقول إن عدد المركبات المسجلة النشطة في الدولة بلغ 4.56 مليون مركبة حتى يونيو 2025، مسجلة ارتفاعاً من 4.17 مليون في يونيو 2024، ليمثل ذلك زيادة سنوية قدرها 9.35%، وتضيف حوالي 390,000 مركبة جديدة إلى الطرق، لذلك فإن تلك المعطيات تؤكد الحاجة الماسة إلى سياسات مبتكرة في مجال النقل التي تهدف إلى توسيع وتحسين خيارات النقل المتعددة، مع التخطيط الحضري الذي يهدف إلى تعزيز الأحياء الأكثر كثافة والمختلطة الاستخدام التي توفر وصولاً مريحاً للمشاة إلى المتاجر والمطاعم وغيرها من الشركات، حيث تختلط مع المناطق السكنية، مما يقلل الحاجة إلى امتلاك سيارات للتنقل لشرائح معينة من الناس.
وللأمانة، فإن التعاطي مع هذا الملف ليس سهلاً، عبر اقتراحات تُطرح من هنا وهناك، لا تستند إلى معطيات وسلوكيات وعادات دأب عليها الناس، باتت فيها السيارة أكثر من مجرد وسيلة نقل، لتكون واجهة ومظهراً لا يركن مستخدمها إلى أي عملية مقارنة تكلفة بوسائل نقل منافسة.
الإمارات التي اعتادت التحديات وابتكار الحلول، لديها الكثير لمعالجة الكثافة المرورية، وأعتقد أن ذلك يتصدر أجندة عمل الحكومة، حيث أنفقت حكومة دبي على سبيل المثال 150 مليار درهم لتطوير شبكة الطرق ومنظومة النقل خلال 19 عاماً، لكن آن الأوان للتفكير في حلول وابتكارات تجنبنا الازدحام المروري، عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.

[email protected]