مريم البلوشي
الخط عالم الروح المتسامية، المسافرة في فضاءات العزلة الرائقة، المتأملة في قصائد تتراقص بين قصبات وحبر في لحن لا بداية له ولا نهاية، الخط عمرٌ من الصبر والوفاء والانتماء، وحالة من تفرد العقل والقلب والشعور، هو الجذب والفهمُ والإحساس بأن لا أحد في المكان إلا كلمات وهدوء وأنت..!
قضيت جُل عمري في فضاءات الحرف، وبعضٍ من قراءاتِ في عوالمه وتفاصيله، وكان العمر يمضي في أروقة الدرس والفهم والانطلاق لعالم خاص يبهج أسلوباً وفكراً وحضوراً.. ومضيت في بعض الأحايين أزور بعضاً من معارض وأحداث وأماكن، فكانت المحطة الأخيرة التي طالت في الوصول، محطة الفجيرة، ومدرسة الخط والزخرفة، لأنتهي قبل أيام في جلسة في مؤتمر الفجيرة للخط والزخرفة.
تفاجأت بالترحيب والاستقبال، ممن قرأ حرفي وكلمي أعواماً، واليوم ألتقي به ويلتقي بي، كان الصمت سبباً ومؤشراً، ففي القاعة الرئيسية حضور تجاوز الـ 200 شخص، والكل في حقيقة الأمر ملتزم، مهما كان المنصب كبيراً أو صغيراً، بأن يرى ويسمع، لم يكن لي يوماً في أي جلسة ثقافية هذا الحضور والإنصات والاندماج، فرؤية ذلك الوجود من ضيوف الحدث وزائريه كان بحق مفرحاً ومبشراً بأن الفكر الإسلامي والعربي وحضارته وفنه بخير وفي أيدٍ أمينة، ليس في مجتمع عربي فحسب، بل يفاجؤك بأن العالم الغربي يحتضن في مكتباته وفي عقول مؤرخيه ومفكريه تاريخ الحرف العربي، كتبه، مسوداته ومخطوطاته، وكيف لا وقصر الحمراء حاضر في اللقاء، وفنانو الفطرة الذين نقلوا حياة مجتمعهم ببساطة الفكر وعمقه في آن واحد يُذكرون، وتفاصيل كتابات الأولين تدرس ويُقرأُ لنا ماهية يومياتهم كانت..!
مارأيته في إمارة الفجيرة، في مؤتمر الخط العربي والزخرفة، ومعرض «امتداد»، بحضور سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي، ولي عهد الفجيرة، كان صورة من العمق، الاهتمام، التفرد، التطلع لما هو أكبر وأجمل، تعرفتُ إلى الكثيرين يومها، وتحاورت مع البعض لأرى أن العطش الفكري كبير، ولن يرتوي دائما بالبعد، رأيت الجمال في تنظيم الحدث دونما مبالغات بل أناقة فكر، وانتقاء للضيوف في تنوع جغرافي متوازن، وبين مواضيع متشعبة ومتناغمة في بعض الخطوط التي تربطها، ورأيت الثقافات المختلفة والجنسيات حاضرة تستمع وتشارك تجاربها وعلومها.
كنت أتابع عن بعد بعض هذه الأحداث، مهرجان البدر، المسابقات، المعارض، الزيارات الفنية الخارجية، الاهتمام من ولاة الأمر، واليوم أخبرك في سطري، أن المستقبل هناك مع الخط سيكون محفوظاً وأصيلاً وجميلاً، ومستداماً بإذن الله، وأن الخط العربي سيبقى مخلداً في هذا الوطن بأنه الهوية الأولى والحب الأول في «اقرأ».