لم يكن الذهب أقدم المعادن في تاريخ البشرية، بل، أقدم معدن على وجه الأرض، كما يقول، الشاعر الباحث د. خزعل الماجدي هو (الزركون)، وأيضاً، لم يكن الذهب هو الأغلى في العناصر الحيوية الأرضية التي عرفها الإنسان، بل، الملح كان أغلى منه، (كانت رواتب الموظفين تُدفع بصرر من الملح)، وكانت التوابل مثل الفلفل الأحمر أغلى من الذهب، وبسببها نشبت حروب وعداوات بين الدول، الأمر، الذي لم يتسبب فيه الذهب الذي بلغ ببعض المولعين به إلى شربه بعد تذويبه، بحسب الباحث الإنجليزي ستيفن كونور.
في البدء، كما يخيل لي كان الذهب للزينة والاستعراض الاجتماعي والطبقي، تماماً، مثل اللؤلؤ والأحجار الثمينة والمجوهرات، غير أن هذه العناصر والمواد الكنزية الثمينة بقيت في إطارها التزييني وبخاصة الإطار النسائي، وإن كانت تُشكّل ثروات نائمة في خزانات أثرياء رجال ونساء العالم، أمأ الذهب الذي تحوّل إلى سلطة، فقد أصبح عنصراً أساسياً في الاقتصاد العالمي، وأصبحت البنوك التي تمتلك رصيداً كبيراً منه هي أقوى البنوك، وأكثرها تحريكاً لأسواق العالم وحتى سياساته التي تتحكم بها السوق وقوانينها الوضعية البشرية، فأصبحت للذهب بورصة عالمية أقوى من بورصة العملات الرسمية الصعبة بالضرورة، وتلك السهلة التي تدور في فلك الأسماء الكبرى لأموال العالم.
تحوّل هذا المعدن الأصفر الخرافيّ إلى سبائك، وفكر اقتصادي، وثقافة مادية عالمية، بل، قبل ذلك، تحوّل إلى ثقافة شعبية قوية سائلة بين الطبقات الوسطى، وحتى الطبقات الفقيرة، وبخاصة مجتمعات ما يسمى بلدان العالم الثالث، وفي رأسها المجتمعات العربية..
لا يمكن لشاب في عائلة عربية حتى لو كانت تحت خط الفقر أن تكتمل صورة زواجه من فتاة فقيرة مثله، إلّا إذا كانت ترتدي الذهب، الذي يرمز إلى كينونة هذا الكائن البشري، ووجوده النفسي والثقافي في مجتمع كله يرتدي الذهب، بما في ذلك الكثير من الرجال.
على مستوى اجتماعي، أو على مستوى ثقافي شعبي لا يشكل الذهب هاجساً وجودياً لدى الناس في الشارع الغربي أو الأوروبي، فقليلاً ما ترى امرأة أوروبية مشغولة بالذهب من رقبتها إلى قدميها وكأنّها مكبّلة به، كما هو الأمر عند نساء الشرق عموماً، اللواتي تخصص الواحدة منهن صندوقاً للذهب والمجوهرات هو في واقعها الوجودي صندوق حياتها، أو صندوق شخصيتها التي لا تكتمل إلا بالصورة التشكيلية والثقافية التي يحققها لها الذهب.
الذهب أيضاً مادة أساسية في الكثير من الأعمال السينمائية، ولكن ليس بوصفه زينة أو ثقافة، بل، بوصفه إغواءً يؤدي إلى السطو أو السرقة، و«اللي مضيّع ذهب في سوق الذهب يلقاه، واللي مضيّع وطن.. وين الوطن يلقاه».

[email protected]