د. ناصر زيدان

تبددت الآمال التي نتجت عن الاتصال الهاتفي المطول بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 17 أكتوبر/ تشرين الأول، وتراجع الحديث عن النهاية المنتظرة للحرب في أوكرانيا وتأجلت القمة التي كانت ستُعقد بين الزعيمين في مدينة بودابست، وبدأت أصداء التباينات تُسمع في أماكن متنوعة، ويترافق ذلك مع تزايد أصوات المدافع والصواريخ في أنحاء مختلفة من روسيا وأوكرانيا.
تراجع الرئيس ترامب عن تصريحه المتفائل بُعيد انتهاء المكالمة الهاتفية مع بوتين، وحديثه عن عدم استعداده لهدر الوقت هباءً من دون أية نتائج، إذا ما عقد الاجتماع الذي كان قد اتفق عليه مع الرئيس بوتين، أضفى مسحة من التشاؤم على المشهد المُضطرِب، وبدأت التحليلات تتناول سيناريوهات قاتمة قادمة، بما في ذلك الوصول إلى حد توقُّع توسيع الحرب إلى ساحات أخرى، خارج المساحة الأوكرانية، ودخول أسلحة متطورة جديدة إلى ميدان المعركة، كما دخول أطراف أخرى فيها.
من الواضح أن الأوروبيين لم يرُق لهم اجتماع ترامب وبوتين على أرض دولة عضو في الاتحاد، ولو كانت مشاكسة مع أغلبية الدول الكبرى فيه وممثلة السياسية الخارجية والأمنية للاتحاد كاديا كالاس، هدَّدت بودابست بعقوبات صارمة فيما لو استقبلت الرئيس بوتين وهو مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية الدائمة، بينما الرئيس ترامب كان قد طلب قبل تأجيل موعد القمة من رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان تعليق عضوية بلاده في نظام المحكمة، وبذلك يُصيب عصفورين بحجرٍ واحد: يحلّ المشكلة القانونية بالتحلُّل من مسؤولية عدم توقيف بوتين لصالح المحكمة، ويُضعف هذه المحكمة في آنٍ واحد وترامب شخصياً لديه ثأر سياسي عليها، كونها أصدرت مذكرة توقيف بحق صديقه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو كما قال، وهو قد فرض عقوبات على بعض قضاتها.
وأبعد من الحسابات المُعقدة التي ذُكرت، هناك معلومات تسرَّب بعضها إلى العلن، تؤكد قيام دول أوروبية كبرى، لا سيما بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بأعمال تحضيرية لأيام صعبة قادمة، ومنها تأهيل المستشفيات لاستيعاب عدد أكبر من المرضى أو الجرحى، وتجهيز فرق الإنقاذ، ومراكز الطوارئ، وإجراء عمليات تدريب قتالية واسعة، وتفعيل الصناعات العسكرية، وزيادة موازنات الدفاع بشكل كبير، وإجراء مناورات جوية وبحرية وبرية.
ويتبين أن مسار التفاهُم الأمريكي–الروسي لم يعُد على ذات الوتيرة التي سبقت الاتصال الهاتفي الأخير ومنسوب التنسيق بين الطرفين اختلف بطبيعة الحال عن الوضعية المُريحة التي تلت قمة ألاسكا بين الرئيسين منتصف آب/أغسطس الماضي وسبقت قمة مجموعة شنغهاي في الصين مطلع أيلول/سبتمبر المُنصرم ويبدو أن الرئيس ترامب لم يستطِع إقناع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالانسحاب من المناطق التي ما زال يسيطر عليها في إقليم دونباس الاستراتيجي، استجابة لشرطٍ لروسيا.
كما لا يوجد ما يؤكد بشكل قاطع أن ستارة الحل في أوكرانيا أُسدِلت، أو أن مسيرة إنهاء الحرب توقفت، وقد يعود التفاوض على النقاط المُختلف عليها من جديد، لا سيما منها تغيير خطوط الاشتباك والموافقة على تبادل الأراضي، لكن المؤشرات المرصودة من جانب عدد من مراكز الدراسات، ومن متابعين على صلة وثيقة بما يجري، تُشير إلى أن الوضع قد ينحو باتجاه مسارات أكثر خطورة، وقرار ضرب المنشآت النفطية والصناعية الروسية بصواريخ أمريكية متطورة، ليس تفصيلاً بسيطاً.
إن فشل الرئيس ترامب في فرض نهاية لحرب أوكرانيا، قد يدفعه إلى اعتماد خيارات أخرى، ومنها ربما تسليم كييف صواريخ «توماهوك» البعيدة المدى، وموسكو اعتبرت مسبقاً أن هذه الخطوة إذا حصلت هي بمثابة إعلان حرب شاملة عليها وهناك خيارات أمريكية جديدة قد تلجأ إليها واشنطن، من خلال فرض حصار مُحكم على كامل الصادرات النفطية الروسية، وتهديد الدول التي ما زالت تشتري الغاز والنفط الروسيين، لا سيما الهند التي تستورد كميات كبيرة منه. واستدعاء ترامب لأمين عام حلف الأطلسي مارك روته إلى واشنطن، يأتي لاستشراف إمكانية اعتماد خيارات رد إضافية أخرى.
يبدو أن مستقبل الوضع في أوكرانيا وما حولها غامض، وهناك مَن يدفع باتجاه توسيع الحرب.