د. ناصر زيدان

أقرَّ الكنيست الإسرائيلي ما أطلق عليه «قانون إعدام الأسرى» في نهاية شهر آذار/مارس المُنصرم، وهو يستهدف الفلسطينيين دون غيرهم، في قرار عنصري مرير واضح، لم يسبق أن حصل من قبل، بينما لا يُشبه هذا القانون أياً من اللوائح التشريعية التي سبقته، حتى إبان نظام الفصل العنصري الذي كان قائماً في جنوب إفريقيا قبل العام 1990. والقوانين تكاد تبكي دماً على ما لحق بها من عار بمناسبة التصويت الذي جرى على هذا المولود المُشوه.
يشوِّه القانون المشؤوم كل ما يُحكى عن ديمقراطية إسرائيلية، ذلك أن الديمقراطية لا تتعايش مع الظلم والإجرام، وهي وسيلة لتحقيق العدالة والانتظام. والتشريع الجديد لا يستند إلى أي اعتبار موضوعي، وهو مُجرَّد من الإنسانية، ويخالف المعاهدات الدولية وميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، لأنه لا يتقيَّد بمبدأ المساواة، وهو مُخصص للاقتصاص من مجموعة من السكان دون غيرهم، لأنه ينطبق على الفلسطيني الذي يدافع عن نفسه، أو أنه يقاوم محتلّ أرضه، وميثاق الأمم المتحدة أجاز لهؤلاء استخدام كل الوسائل لتحرير أرضهم.
يمكن الإشارة إلى أهم ما يفضح مندرجات القانون الخبيث، بحيث أن القواعد العامة للقوانين لا تُجيز تشريع لوائح تُطبَّق على مواطنين لا يخضعون لسيادة الدولة، كما أن معاهدة أوسلو للعام 1993 التي وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية اعتبرت أراضي الضفة الغربية خارج حدود الكيان، ولها استقلاليتها المعترف بها دولياً. والقرارات الدولية ذات الصلة تؤكد واقعة خضوع أراضي فلسطينية للاحتلال، لاسيما القرار 242/1967، ومعاهدة جنيف الرابعة للعام 1949 أكدت واجبات الدولة المحتلة بحماية المواطنين الواقعين تحت الاحتلال، ولا يجوز لهذا الاحتلال أن يمارس سلطته على هؤلاء.
القانون الجائر يطال الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وعدد هؤلاء يقارب 10 آلاف معتقل، وقد تطبَّق عقوبة الإعدام اللعينة على جزء منهم. وقد اعتادت السلطات الإسرائيلية إلصاق التُهم بهذه الفئات من الفلسطينيين، بينما لا تطال روادعها أياً من المُرتكبين من المستوطنين المُدججين بالسلاح، والذين يمارسون عمليات القتل يومياً ضد الأبرياء من أبناء الأرض، فيما تشجع سلطات الاحتلال هؤلاء المستوطنين على استباحة المدن والقرى الفلسطينية وتتعمد الاستيلاء على أرضهم وممتلكاتهم وطردهم وقتلهم، وتقوم بتسليحهم لممارسة الإرهاب وبحماية قوات الأمن والجيش، من دون حساب أو عقاب، كما أن القانون لا يشير بالمطلق إلى الجرائم التي يرتكبها هؤلاء من قتل وتعذيب بحق الفلسطينيين.
في غمرة الهياج الحربي الخبيث الدائر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والذي تطال فيه صواريخ ومسيرات المتحاربين منشآت ومدناً عربية ليس لها أي علاقة بالحرب الدائرة، استغلت قوى اليمين الإسرائيلي المتطرفة الموقف، ودفعت باتجاه إقرار القانون الجائر، ووافقها على ذلك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بهدف إنقاذ الائتلاف الحكومي القائم. وصوَّت لصالح الاقتراح 62 نائباً وعارضه 48.
إن عملية تطبيق القانون أشارت إلى عدم جواز منح العفو على هذه الاحكام العسكرية، ويجب تنفيذ العقوبات خلال 90 يوماً. وقد عبَّر وزير الأمن إيتمار بن غفير عن فرحته لصدور القانون، واعتبره إنجازاً طال انتظاره، وقام بالاحتفال داخل الكنيست بعد صدور القانون وتوزيع الشمبانيا على النواب الذين صوتوا إلى جانب القانون، في تعبير صريح عن عنصريته المقيتة وكرهه للفلسطينيين.
الدول العربية دانت صدور القانون الجائر، وطالبت بإلغائه. والاتحاد الأوروبي هدَّد إسرائيل بفرض عقوبات عليها إذا ما أقدمت على تنفيذه. لكن ذلك غير كافٍ، وعلى الأمم المتحدة اتخاذ تدابير أكثر قوة لإلغاء القانون، والقوى الدولية الكبرى مُطالبة بإشهار الاعتراض على تشريع القتل والإعدام، وإحالة الذين يطبقونه أمام محكمة الجنايات الدولية.