د. ناصر زيدان

يمكن وصف ما يجري في المنطقة بأنها حرب التهوُّر والمكابرة والعدوان، فهي مُتفلِّتة من القيود الأخلاقية، وليس لها أي مُبرر قانوني، وتستند إلى مغامرات تستهتر بمقدرات الشعوب وبحياة الناس، وهي تحولت إلى عدوان على أبرياء، وعلى دول ليس لها ناقة أو جمل بما يجري، وقد اختلط حابل الأطماع بالهيمنة والتسلُّط مع نابل الجنوح الذي لا يحسب أي حساب لمقتضيات الجيرة، ولا إلى مبدأ المعاملة بالمثل.
بصرف النظر على دوافع الحرب ومن دون الدخول في التفاصيل نسأل: ما علاقة دول الخليج العربي ولبنان والأردن والعراق فيها؟ وهي أعلنت رسمياً حيادها في المنازلة قبل بدء الحرب، وتحدثت إلى الأقربين قبل الأبعدين منهم عن عدم موافقتها على استخدام أراضيها كمنطلق لأي هجوم على أراضي أي طرف آخر.
في حالة الدول العربية الخليجية التي تتعرَّض للعدوان من الصواريخ والمُسيرات الإيرانية، كيف يمكن تبرير هذه الفعلة، وهي دول لم تألُ جهداً سياسياً لمنع نشوب هذه الحرب، وعملت على تشجيع تسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية بين المتنازعين، كما أنها بذلت مساعيَ كبيرةً لإيقاف هذه المقتلة التي أضرُّت بكامل شعوب المنطقة وعرَّضت الاستقرار الدولي للخطر. إضافة إلى ذلك، فقد امتنعت هذه الدول عن الرد على العدوان حفاظاً على التعاضد الإنساني وعلى أرواح الأبرياء وعلى التعاون الإسلامي، برغم أن القوانين الدولية تكفل لها الحق بذلك، ولديها الإمكانيات الوافرة للقيام بالرد فيما لو أرادت ذلك.
أما في حالة لبنان الجريح، فقد تأكد للقاصي والداني أنه يستخدم لأهداف ليس له علاقة بها، وقد جرَّه حزب الله إلى ميدان القتال من دون أي مسوِّغ، وبما يتعارض مع موقف الحكومة اللبنانية التي تحظى بتأييد الأغلبية الساحقة من اللبنانيين. وبهذه الفعلة استدرج الحزب العدوان الإسرائيلي، ومنحه مبررات ربما كان ينتظر مثلها لتحقيق أطماعه التاريخية، وتنفيذ أجندة مُدمرة تستهدف احتلال الأرض، وتقويض الدولة، وإنتاج التوتر بين المكونات المجتمعية اللبنانية.
لقد أوصلت سياسة التهوّر والمكابرة والعدوان المنطقة برمتها إلى مخاطر مؤلمة، وسببت دماراً فادحاً، ودفع الأبرياء ثمناً غالياً من أرواح بعضهم، ومن مقدرات بعضهم الآخر، بينما اهتزَّ العالم أجمع من جراء هول الكارثة الاقتصادية التي سببتها الحرب، لا سيما الأزمة الخانقة في قطاع الطاقة والناتجة عن إغلاق الممرات واستهداف الناقلات والمنشآت الحيوية التي تؤمِّن خدمة الإمدادات الضرورية من النفط والغاز لعدد كبير من الدول.
إن العدوان على دول الخليج العربية، هو بمثابة العدوان على كل الدول العربية مجتمعةً، كما أكد على ذلك بيان مجلس الجامعة، واستهداف لبنان والعراق والأردن، أو استخدام ساحاتهم لتأجيج الصراع مرفوض. بالمقابل، فإن إسرائيل تستفيد من حالة الفوضى لخدمة مآربها العدوانية الخاصة، وهي لا ترد على مصادر الخطر فقط، بل تستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية، وبعض أعمالها تؤكد على نواياها لجرّ بلدان المنطقة برمتها إلى أتون المعركة، وهي تغار بطبيعة الحال من الاندفاعة التنموية الكبيرة التي حققتها بعض الدول العربية، لا سيما في الخليج، لأن في ذلك صناعة لمقدرات قوة ناعمة لا يمكن تجاهل تأثيراتها المستقبلية على مكانة الأمن القومي العربي.
يشكِّل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 تاريخ 11/3/2026 تعبيراً صريحاً عن إرادة المجتمع الدولي الذي دان من دون أي مواربة شمول الحرب لدول غير معنية فيها، واستهداف العدوان الإيراني لبنى تحتية ومنشآت مدنية في الدول الخليجية، والقرار حصد تأييد 13 دولة في مجلس الأمن وامتناع الصين وروسيا عن التصويت من دون أن يستخدما الفيتو لإجهاض القرار، وقد ساندت 136 دولة عضوة في الأمم المتحدة مضمون القرار من خلال توقيع عريضة تؤكد على ذلك.
إن تجاوز القانون الدولي، وشنّ الحروب العبثية، كما استهداف أطراف ليست شريكة في هذه الحروب، يتعبرُ إخلالاً بالأعراف واستهتاراً بسيادة الدول ومقدراتها.
الحرب العبثية الدائرة جريمة بحق الإنسانية، ويجب أن تتوقف اليوم قبل الغد.