د. ناصر زيدان

الأزمات الكبرى تختبر القادة، وما تعيشه المنطقة العربية ومحيطها اليوم، يشكِّل ميداناً واسعاً لمثل هذا الاختبار، حيث الحرب المجنونة تدور بين أطراف يفتقدون إلى العاطفة الإنسانية.

إن خلط الأوراق بالضرب يميناً ويساراً من دون تفرقة بين الشركاء بالحرب، وبين الرافضين لها، والداعين لإيقافها، بمثابة ذرٍّ للرمادِ في العيون للهروب من المسؤولية، لكن ذلك لن ينطلي على المعنيين والمتابعين، ومَن يرفض العدوان على شعبه حريٌ به ألا يعتدي هو على الشعوب الأخرى.

قديماً قيل «ويلاتها من أفلاكها وحكامها» في إشارة إلى ما يصيب الكوكب وناسه من نكبات وخراب. وقيل أيضاً «العقلُ قبل شجاعةِ الشُجعان» ومَن تولَّى شؤون الناس عليه أيضاً أن يحافظ على مصالحهم ويضمن سلامتهم. ومشروعية استخدام القوة لحفظ الاستقرار، تختلف عن شريعة الغاب المُتحلِّلة من كل القيم، حيث القوي يستفرِس ضد الأقل قوة. والذين يتجاهلون قوة الحق، ستصيبهم اللعنة ولو بعد حين، بينما الجار إذا جار على جاره لا يربح المُنازلة مهما طال الزمن، فالعدلُ أساس المُلك، وقوة القانون أشدُّ تأثيراً من جنوح القوة.

يمكن التأكيد أن الحرب الحالية، ضربت مقومات الأعراف والقيم، وبدا معظم الذين يقودونها مهووسون بالتسابق نحو تحقيق انتصاراتٍ واهية، ولو على أنقاض مقدرات شعوبهم ومكانة دولهم. وبعضهم يستند إلى ميثولوجيات قديمة واهية تعطي الحرب أبعاداً دينية، بعيداً عن المنطق والمشروعية.

كان يمكن لبعض أسباب الحرب أن تسوَّى بالطرُق الدبلوماسية وبالحوار، ومن خلال المؤسسات الأممية التي تتمتع بمشروعية دولية، وقيمة الخسائر بالأرواح وبالممتلكات التي أصابت إيران، تضاهي ألَم تنازلات كان يمكن القبول بها لتلافي المَقتلة، لا سيما منها تقييد خروج برنامجها النووي عن معاهدة حصر الأسلحة الذرية، وضبط الانفلاش غير المقبول للمجموعات التي تدور في فلكها وتُسبِّب أذى للعالم ولدول الجوار. وكان يمكن للإدارة الأمريكية استخدام المهارات القيادية بأفضل حال، وتجنُّب الدخول في هذه المعمعة المؤذية لها وللعالم. أما إسرائيل فبدا أن قادتها الذين ارتكبوا أفظع الجرائم في فلسطين ولبنان والبلدان المجاورة، ينتظرون الفرصة لتوسيع منسوب عدوانهم. أما إيران المُستهدفة، فقد انقضت على جيرانها الذين رفضوا الحرب منذ اللحظة الأولى، وقامت بعدوانٍ لا يقلُّ بشاعة.

لكن اللافت في هذا السياق الحِكمة التي تحلَّى بها قادة دول الخليج العربي، وهم لم يردوا على العدوان رغم امتلاكهم القدرة على ذلك، وقد تجنبوا جرّ بلدانهم لويلات الحرب، رغم الاستفزازات والاستهدافات العدوانية التي أصابت بلادهم انطلاقاً من القواعد الإيرانية، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 وصَّف بدقة ما جرى، وأدان بوضوح الاعتداءات الإيرانية.

المفكر الكندي المعروف آلان دونو أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان «نظام التفاهة» وقال فيه: يبدو أن التافهين بسطوا سلطانهم على غالبية دول العالم، وأمسكوا بمفاصل السلطة فيها، ووضعوا أيديهم على مواقع القرار، وقد تمدَّد نفوذهم إلى الميدان المالي والأكاديمي والإعلامي، وهو ما ينذرُ بأخطار جمَّة على البشرية.

إن تهميش الانتظام الدولي كارثةٌ معنوية كبيرة، وقد تجرُّ ويلات غير محسوبة على البشرية جمعاء. وتمسُّك قادة الاتحاد الأوروبي في قمتهم الأخيرة التي عُقدت ببروكسل في 19 مارس/ آذار ببقاء هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة كأهم ركن من أركان النظام الدولي القائم، فيه إشارة واضحة إلى التهديد الذي يُصيب القانون الدولي، لصالح إرساء مقاربات فئوية لا يمكن لها أن تحلّ المشكلات المطروحة.

الحرب العبثية التي تدور في المنطقة، تعطي أهمية لقواعد الممارسة السياسية التي تعتمد على مهاراتٍ متوازنة، وعلى الحِكمة، وعلى القانون. أما الجنوح نحو الحروب والانفلاش والفوضى، فلن ينتج عنه سوى الخراب والدمار.