يسرا عادل

في مساء خريفي دافئ بأبوظبي، احتضنت أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية جلسة نقاشية احتفاء بثمانية عقود على تأسيس منظمة الأمم المتحدة، حمل الحدث من الهدوء ما يكفي للتفكير، ومن الصراحة ما يكفي للمراجعة، لم يكن اللقاء احتفالاً بروتوكولياً للمهتمين، بل مساحة للتأمل في مسيرة منظمة تعبت مع تراكم الأعوام. فجاء الحدث مناسبة لإعادة طرح السؤال الجوهري الذي جال في عقولنا ونطقه لساننا نحن الحاضرين: أين تقف الأمم المتحدة اليوم بعد ثمانين عاماً من ولادتها من رماد الحرب العالمية الثانية؟
قبل الندوة بدت الحوارات الجانبية أكثر صدقاً من أي وقت مضى، لم يكن أحد من المنتسبين إلى الأمم المتحدة في حال إنكار لما تمرّ به منظمتهم من تحديات بنيوية وتصدعات سياسية، بل على العكس، كان ثمة وعي ناضج، وواقعية تحسب لهم، بأن «بيت العالم الكبير» لم يعد بمنأى عن العواصف التي تهبّ من كل حدب وصوب.
إن مرور ثمانين عاماً على تأسيس الأمم المتحدة ليس مجرد رقم في التاريخ، بل اختبار لجدوى الفكرة ذاتها التي قامت عليها: فكرة التعاون الدولي تحت مظلة واحدة تحفظ السلم والأمن وتمنح للدول الصغيرة صوتاً أمام الكبار، غير أن المشهد الدولي الراهن يكشف عن تآكل واضح في فاعلية تلك الفكرة، وعن منظومة أصبحت أحياناً عاجزة عن ترجمة ميثاقها إلى فعل حقيقي.
فالمشهد العالمي، من غزة إلى كييف، ومن ميانمار إلى هاييتي، يعجّ بأزمات تُعرّي محدودية قدرة المنظمة على التدخل، وتُبرز اختلال موازين القوى داخل أروقة مجلس الأمن.
لقد وُلدت الأمم المتحدة تحت وصاية المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، وظلّ ذلك الإرث حاضراً في بنيتها حتى اليوم، فحقّ النقض «الفيتو» الذي يحتكره الخمسة الكبار، لم يعد يُقرأ كضمان للاستقرار، بل كأداة شلل متكرّر أمام الأزمات الكبرى وما يزيد الطين بلّة هو الضغط الأمريكي -المباشر وغير المباشر- على مسار قرارات المنظمة، سواء عبر التمويل أو عبر الثقل السياسي الذي يفرض على بقية الأعضاء خيارات ضيقة ولعلّ السنوات الأخيرة كشفت هشاشة هذه المعادلة حين انقسم العالم حول ملفات حاسمة، وعندما بدا أن الأمم المتحدة نفسها تحوّلت في بعض المواقف إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى أكثر من كونها مساحة للبحث عن حلول.
في خضمّ هذا الانكشاف، يعلو سؤال الإصلاح: هل ما تحتاجه المنظمة اليوم هو ترميم في الجدران أم إعادة هندسة في الأساس؟ هناك من يرى أن إصلاح منظومة الأمم المتحدة ممكن إذا ما أُعيد النظر في آليات التصويت والتمثيل داخل مجلس الأمن، بحيث تعبّر عن العالم كما هو اليوم لا كما كان عام 1945 وهناك من يذهب أبعد، معتبراً أن المنظمة باتت بحاجة إلى «تغيير جذري» يعيد تعريف مفهوم الشرعية الدولية ذاته، ويكسر احتكار القرار بيد قوى محدودة، لكن بين هذين الطرحين، يطلّ الواقع ليذكّرنا بأن إصلاح الأمم المتحدة أو تغييرها ليس قراراً قانونياً، بل توازن قوى قبل كل شيء.
الضغط العالمي على المنظمة لا يأتي فقط من الحكومات، بل من الشعوب أيضاً، فثمة شعور متنامٍ بأن المنظمة التي وُلدت لتكون حامية الضعفاء، أصبحت في أحيان كثيرة شاهدة صامتة على معاناتهم، في المقابل، هناك أصوات داخل الأمم المتحدة نفسها -من موظفين ودبلوماسيين- تدعو إلى مصارحة مؤلمة مع الذات، تعترف بأن العطب ليس في الفكرة الأممية، بل في التطبيق، وفي الإرادة السياسية التي تقيّدها وهذه الأصوات هي التي تمنح بصيص الأمل بأن الإصلاح لا يزال ممكناً.
بدا هذا النقاش أكثر قرباً من الواقع وأقلّ ترفاً فكرياً، فالعالم يتغيّر بوتيرة لم تعد تتيح للمنظمات الأممية رفاهية الانتظار ومع كل أزمة جديدة، تتآكل ثقة الشعوب بالمنظومة الدولية، وتتراجع قدرتها على صناعة الإجماع، لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت الأمم المتحدة بحاجة إلى إصلاح، بل ما إذا كانت قادرة على البقاء كإطار جامع للبشرية في القرن الحادي والعشرين.
ثمانون عاماً مرّت، والعالم الذي وُلدت فيه المنظمة لم يعد هو نفسه. لكن الحاجة إلى فكرة تُلجم الحرب وتُبقي الحوار ممكناً لا تزال قائمة، لعلّ الذكرى الثمانين ليست مناسبة للبكاء على أطلال النظام الدولي، بل للتفكير في كيفية إنقاذ الفكرة التي قامت عليها الأمم المتحدة نفسها: أن العالم لا يمكن أن يُدار بالقوة وحدها، وأن الشرعية لا تُقاس بمن يملك السلاح، بل بمن يملك الضمير.
غير أن على المنظمة أن تتذكر أن أول ما جاء في ديباجتها كان: «نحن شعوب العالم.. »، لا «نحن حكوماته» ولا «نحن دوله العظمى». فالشعوب التي نطقت باسمها قبل ثمانين عاماً لم تعد تراها اليوم مرآتها الصادقة، وربما يبدأ الإصلاح الحقيقي عندما تستعيد الأمم المتحدة صوت الشعوب لا صدى القوى.

[email protected]